رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في إقليمٍ مضطرب يسير فوق رمالٍ متحركة، حطّت طائرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في القاهرة، في زيارة كشفت بوضوح أن سنوات القطيعة لم تعد مجدية، وأن كلفة الخلاف باتت أفدح من مكاسبه، زيارة حملت إعلانًا سياسيًا صريحًا بإسدال الستار على واحدة من أطول فترات التوتر بين مصر وتركيا، وبدء مرحلة جديدة تحكمها لغة المصالح لا الشعارات، والواقعية لا الخصومة.

الصراحة تقتضي القول إن ما يجمع مصر وتركيا أكبر بكثير مما فرّق بينهما؛ فالدولتان تحملان من الإرث التاريخي والحضاري ما يجعلهما جناحي الشرق الأوسط، وقوتين لا يمكن تجاوز دورهما في معادلات الإقليم.

الحقيقة أن البراجماتية السياسية فرضت هذا التقارب، في منطقة تسبح فوق بركان من الأزمات المتلاحقة والصراعات المفتوحة، دفعت العواصم الكبرى إلى إعادة ترتيب أوراقها، والبحث عن مساحات مشتركة حتى مع الخصوم السابقين.

من هنا، تُعد زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة نقطة تحوّل في مسار العلاقات المصرية–التركية، وترجمة واقعية لتحولات عميقة تشهدها بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث لم تعد السياسات الأيديولوجية قادرة على الصمود أمام منطق المصالح الصلبة وحسابات القوة.

أنقرة أدركت أن سياسة «تصفير المشكلات» مع الجوار، خصوصًا في المنطقة العربية، لم تعد خيارًا، بل ضرورة، بعدما تكشّفت كلفة القطيعة مع القاهرة، في ظل أزمات متفاقمة مع الغرب وتلاشي حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، تعاملت القاهرة مع الملف التركي بمنهج الصبر والحسم، محافظة على خطوطها الحمراء المرتبطة بالأمن القومي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما منحها موقع القوة عند لحظة التقارب، فعودة العلاقات لم تأتِ على حساب الثوابت، بل في إطار احترام متبادل يعكس ميزان القوى الحقيقي في المنطقة.

في تقديري، يعد التقارب المصري–التركي هو تقارب الضرورة، في مواجهة مخططات «الفوضى الخلّاقة»، وسعي البلدين إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية، وسط مشهد سياسي فوضوي، تعاد فيه صياغة خريطة الشرق الأوسط على نحو يجعل الإقليم أكثر تفككًا وأقل أمنًا، مع أعباء اقتصادية متزايدة وتنامي أزمات اللاجئين.

بدون شك ، لا يمكن تجاهل مخططات «حدود الدم» التي طرحها الجنرال الأمريكي المتقاعد رالف بيترز، باعتبارها إعادة تدوير حديثة لأفكار برنارد لويس، تستهدف تفتيت الدول الكبرى إلى كيانات متناحرة ودويلات صغيرة عبر إذكاء النزاعات العرقية والطائفية.

هذه البيئة المضطربة دفعت القاهرة وأنقرة إلى إعادة تقييم أولوياتهما، والبحث عن أرضية مشتركة لإدارة الخلافات بدلًا من التصعيد، بعدما أثبتت سنوات التوتر أنها لم تحقق مكاسب لأي من الطرفين، بل خلّفت فراغات استراتيجية استغلتها قوى إقليمية ودولية أخرى.

اللافت أن مشهد الاستقبال الرسمي المهيب للرئيس التركي حمل دلالات تتجاوز حدود البلدين، ورسائل واضحة بأن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها أن السياسة تنتصر. كما جاء خطاب أردوغان أكثر هدوءًا وحسابًا، مؤكدًا احترام سيادة الدولة المصرية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

اقتصاديًا، فتحت الزيارة أبواب المصالح المشتركة؛ فتركيا الباحثة عن أسواق واستقرار، ومصر الساعية إلى استثمارات حقيقية، تلتقيان عند كلمة السر وهي الاقتصاد، بوصفه الجسر الأكثر صلابة لتجاوز الخلافات وبناء الشراكات.

هذا التقارب يفتح الباب أيضًا أمام إعادة تشكيل موازين القوى في شرق المتوسط، سواء في ملفات الطاقة أو الملاحة أو الأمن البحري، ويوفّر مساحة أوسع للتنسيق في الملف الليبي، بما يقلّص هامش الصراع ويعزّز فرص التسوية السياسية.

في النهاية، تعكس زيارة أردوغان إلى القاهرة تحوّلًا في فلسفة إدارة الخلافات الإقليمية، من منطق الصدام إلى منطق الاحتواء، ومن سياسة الاستقطاب إلى سياسة التوازن، ومن المراهقة السياسية إلى النضج الاستراتيجي، في إقليم لم يعد يحتمل مغامرات غير محسوبة، فهى  بداية فصل جديد، عنوانه الواقعية السياسية لا الأوهام الأيديولوجية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء