«الكذب السادة».. كافيه الحريات.. استعارة سياسية لواقع معقد
قدم الدكتور حسام بدراوي، في حلقة جديدة من برنامجه «فلسفة وجسور» المذاع عبر قناة «منصات إيجبتك»، طرحًا فكريًا لافتًا، مستخدمًا أسلوب الاستعارة الرمزية لتفكيك مفهوم الحرية كما يُسوَّق عالميًا.
واستعان بدراوي بقصة خيالية عن «كافيه الحريات» ليعكس من خلالها إشكاليات عميقة تتعلق بالخطاب السياسي، وازدواج المعايير، وحدود حرية الرأي في عالم اليوم.
يروي بدراوي، أن «كافيه الحريات» لا يقدم في قائمته سوى صنف واحد فقط، وهو «الكذب السادة»، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في الطعم، بل في الشرط الأساسي للدخول، وهو التوقيع على إقرار بالرضا الكامل وعدم الاعتراض، في إشارة رمزية إلى فرض القبول القسري بالخطاب السائد دون نقاش أو مساءلة.
الهروب من القهر إلى وهم الحرية
وفقًا للسرد الرمزي، يحاول الزبون الهروب من هذا الكافيه عبر نافذة الحمام، متجهًا إلى ما يسمى بـ«كافيه العالم الجديد»، الذي يسوق باعتباره كافيه الفرص المفتوحة والحريات بلا حدود، إلا أن هذا الانتقال، كما يوضح بدراوي، لا يعني بالضرورة الخلاص من القيود، بل قد يكون انتقالًا من قيد ظاهر إلى قيد أكثر تعقيدًا.
الزبون، الذي يدرك أنه لن يستطيع العودة إلى كافيهه الأول رغم تعلقه به، يجد نفسه أمام شروط جديدة، أكثر نعومة في الشكل لكنها أشد صرامة في المضمون، ما يعكس فكرة أن بعض أنماط الحرية الحديثة تُدار بشروط غير معلنة.
ازدواج المعايير وحرية مشروطة
عند طلب «المنيو» في كافيه العالم الجديد، يُفاجأ الزبون بشرط التوقيع على إقرار يمنعه من الاعتراض أو حتى الحديث عن قضايا بعينها، تحت ذريعة حماية «حقوق مقدسة» لا يجوز الاقتراب منها.
ويشرح بدراوي، أن المشروب الحقيقي في هذا الكافيه ليس الحرية، بل «الكذب، والادعاء، وازدواج المعايير».
هذا المشهد، بحسب بدراوي، يعكس واقعًا عالميًا ترفع فيه شعارات حقوق الإنسان وحرية التعبير، بينما تفرض في الوقت ذاته خطوط حمراء صارمة، يجرم من يتجاوزها، ويُتهم فورًا بتهم جاهزة مثل الكراهية أو العداء.
الخوف من الاتهام سلاح لإسكات العقول
في ذروة القصة، يظهر الخوف كعنصر حاكم، حيث يطلب العاملون من الزبون التوقف عن الفلسفة وعدم إثارة الجدل، خشية الاتهام بمعاداة فئات بعينها، وهنا يلفت بدراوي إلى أن أخطر ما في المشهد ليس القيد نفسه، بل الخوف الجماعي الذي يحوّل الكذب إلى قاعدة، والصمت إلى فضيلة.
ويؤكد أن الحرية الحقيقية لا تدار بإقرارات، ولا تحمى بالترهيب المعنوي، محذرًا من أن المجتمعات التي تقبل بحرية مشروطة، سرعان ما تفقد قدرتها على التفكير النقدي، وتتحول إلى مجرد مستهلك للخطاب المفروض عليها.
رسالة فلسفية مفتوحة
واختتم الدكتور حسام بدراوي، طرحه بالتأكيد على أن الفلسفة ليست ترفًا، بل أداة لفهم العالم وكشف تناقضاته، داعيًا إلى إعادة التفكير في المفاهيم الجاهزة، وعدم الانخداع بالشعارات البراقة، لأن أخطر أنواع القمع، على حد تعبيره، هو ذلك الذي يُمارَس باسم الحرية نفسها.