في خضم الحرب الممتدة بين روسيا وأوكرانيا، يبرز سؤال جوهري في النقاشات السياسية: هل تسعى روسيا وأوكرانيا فعلاً إلى السلام، أم أن ما نشهده ليس سوى إدارة للصراع بأدوات تفاوضية موازية للأدوات العسكرية؟
الصورة الأقرب للدقة تشير إلى أن موسكو وكييف تنخرطان في مسار سياسي يمكن توصيفه بأنه سعي تكتيكي نحو التهدئة أو وقف إطلاق النار، من خلال المشاركة في جولات محادثات وترتيبات تُطرح إقليميًا ودوليًا، لكنهما في الوقت نفسه لا يظهران، وفق أغلب التقييمات والتحليلات، استعدادًا واضحًا لتسوية توافقية تتضمن تنازلات جوهرية عن شروطهما الأساسية.
هذا التناقض يعكس فارقًا مهمًا بين السلام بوصفه إنهاءً مستدامًا للصراع، وإدارة النزاع بوصفها أداة لتحقيق أهداف استراتيجية ضمن ميزان قوى متغير.
وجود مسار تفاوضي بحد ذاته لا يعني بالضرورة رغبة صادقة في سلام نهائي. صحيح أن تقارير حديثة تحدثت عن جولات محادثات مباشرة وغير مباشرة بين وفود روسية وأوكرانية، بعضها عُقد أو أُعلن عنه في عواصم محايدة، إلا أن هذا الانخراط السياسي جاء متزامنًا مع تصعيد عسكري ملحوظ، لا سيما في استهداف البنية التحتية للطاقة داخل أوكرانيا.
هذا التزامن ليس تفصيلاً هامشيًا، بل يشير إلى نمط معروف في إدارة الصراعات، حيث يُستخدم الضغط العسكري لتعزيز الموقع التفاوضي، وليس تمهيدًا حقيقيًا لتسوية شاملة؛ إذ كثيرًا ما تلجأ الدول المنخرطة في نزاعات طويلة إلى التفاوض كوسيلة لاختبار نوايا الخصم، أو لتفكيك تحالفاته، أو لانتزاع مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية مقابل تهدئة مؤقتة، من دون التخلي عن الأهداف بعيدة المدى.
ما تسعى إليه روسيا تحت مسمى السلام يتضح أن الطروحات الروسية تتركز حول جملة من الشروط المتكررة، في مقدمة هذه الشروط فرض قيود أمنية وعسكرية على أوكرانيا، سواء من حيث نوعية وحجم التسليح، أو طبيعة التموضع العسكري، أو شكل الضمانات الأمنية التي يمكن أن تحصل عليها كييف.
تشير التقارير إلى أن موسكو تُبدي ترددًا واضحًا تجاه أي وقف شامل لإطلاق النار لا يكون مشروطًا بإعادة صياغة البيئة الأمنية الأوكرانية على نحو يحد من قدرتها العسكرية المستقبلية.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة الترتيبات الإقليمية، سواء عبر اعتراف ضمني أو صريح بوقائع ميدانية قائمة، أو من خلال تجميد الصراع عند خطوط تماس معينة، وهو خيار قد يوقف القتال واسع النطاق، لكنه يُبقي جذور النزاع قائمة وقابلة للاشتعال مجددًا. في هذا السياق، يمكن القول إن روسيا قد تسعى إلى اتفاق فقط بقدر ما يحقق لها أهدافها الاستراتيجية أو جزءًا معتبرًا منها، لا باعتباره إنهاءً للحرب بحد ذاته.
في المقابل، تنطلق المقاربة الأوكرانية، مدعومة من حلفائها الغربيين، من أولوية مختلفة جوهريًا، تتمثل في الحصول على ضمانات أمنية ملزمة وموثوقة تحول دون تكرار الهجوم الروسي بعد أي وقف لإطلاق النار.
هذا التوجه دفع عددًا من الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، إلى طرح أفكار تتعلق بقوات ردع أو ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، مع دور أمريكي داعم أو مراقب، كجزء من هندسة أمنية لما بعد الحرب.
غير أن هذا المسار يصطدم مباشرة بخطوط روسيا الحمراء، إذ تُظهر موسكو حساسية شديدة، بل رفضًا صريحًا، لأي وجود عسكري غربي داخل أوكرانيا تحت مسميات حفظ السلام أو الردع، معتبرةً ذلك تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. ونتيجة لذلك، يتحول ملف الضمانات الأمنية إلى العقدة الأشد تعقيدًا في أي مسار تفاوضي محتمل.
استنادًا إلى هذه المعطيات، يبدو أن التقييم الأقرب للواقع يتمثل في أن ما يُطرح حاليًا هو إما سلام مشروط بشدة أو ترتيبات تجميد نزاع، لا تسوية نهائية.
نعم، هناك انخراط روسي في محادثات ومبادرات سياسية، وهذا يُحسب كسعي سياسي لا يمكن تجاهله، لكن استمرار الضربات العسكرية الواسعة، خصوصًا ضد منشآت الطاقة، يبعث برسالة واضحة مفادها أن الضغط العسكري لا يزال جزءًا أصيلًا من معادلة التفاوض، وليس مجرد أداة دفاعية أو رد فعل.
وعليه، تتراوح السيناريوهات الأكثر تداولًا في التحليل بين وقف إطلاق نار هش تدعمه آليات مراقبة وردع معقدة سياسيًا، أو تجميد صراع ينهي العمليات الكبرى مؤقتًا من دون حسم ملفات الأرض والسيادة والضمانات، أو فشل تفاوضي إذا اصطدمت المطالب الأمنية الأوكرانية بخطوط روسيا الحمراء.
انعكاسات هذا المسار، سواء انتهى بتهدئة أو استمر في إطار صراع منخفض أو مرتفع الحدة، تتجاوز حدود أوروبا لتطال الاقتصاد العالمي بأسره. فقد أثرت الحرب منذ بدايتها عبر قنوات رئيسية ثلاث، أولها أسواق السلع الأساسية، وعلى رأسها الطاقة والغذاء والأسمدة والمعادن.
وأظهرت تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة أن الصدمة الأولى للحرب تمثلت في ارتفاعات حادة للأسعار، مع تداعيات مباشرة على معدلات التضخم ومستويات الفقر، خاصة في الدول النامية المستوردة للغذاء والطاقة.
أي تهدئة موثوقة من شأنها أن تقلل علاوة المخاطر الجيوسياسية المُسعَّرة في النفط والغاز والشحن، وأن تحسن توقعات سلاسل الإمداد الزراعية، في حين أن استمرار الحرب يُبقي الأسواق في حالة توتر دائم، مع ارتفاع التقلبات وزيادة كلفة التأمين والتحوط، ما يضغط على هوامش الشركات ويؤثر في قرارات الاستثمار.
يمكن القول إن غياب السلام بين روسيا وأوكرانيا لا يعود فقط إلى تعقيدات التفاوض، بل إلى كون كلا الطرفين يجد مصلحة واضحة في استمرار عدم الوصول إلى تسوية نهائية؛ فروسيا تستفيد من بقاء الصراع مفتوحًا لأنه يسمح لها بتجنب تنازلات استراتيجية كبرى، والحفاظ على نفوذها الإقليمي، وإبقاء أوكرانيا في حالة عدم استقرار تحد من اندماجها الكامل في المنظومة الغربية، إضافة إلى توظيف الحرب داخليًا لتعزيز الخطاب القومي وتبرير الضغوط الاقتصادية والسياسية.
بينما ترى أوكرانيا في غياب السلام ضمانة لاستمرار الدعم الغربي العسكري والمالي والسياسي، وتتجنب عبره القبول بتسوية قد تُضعف أمنها أو تفرض عليها تنازلات داخلية مكلفة، كما أن استمرار الصراع يمنحها وقتًا لتعزيز قدراتها وتحسين موقعها التفاوضي مستقبلًا.
وبهذا المعنى، يصبح عدم وجود سلام شامل خيارًا عمليًا للطرفين، لأن كلفته، على قسوتها، تُعد أقل في حساباتهما الاستراتيجية من كلفة سلام غير مضمون قد يخل بتوازنات القوة وينتج مخاطر أكبر على المدى الطويل.