معاهدة «نيو ستارت».. آخر قيود السلاح النووي على حافة الانهيار |حوار خاص
تشير الأدلة إلى عودة سباق التسلح النووي، والذي يشار إليه غالبا باسم "الحرب الباردة الثانية"، وإلى أن العالم يمر بمرحلة تصاعدية حادة في سباق التسلح النووي، مدفوعة بانهيار معاهدات الحد من الأسلحة وتحديث الترسانات الكبرى.
فقد شهدت أمريكا وروسيا، اللتان تمتلكان الغالبية العظمى من الأسلحة النووية في العالم، تهديدا أو إضعافا لاتفاقيات الحد من التسلح بينهما، مثل معاهدة ستارت الجديدة لعام 2010.
ويشير هذا التنافس المتزايد إلى تصاعد التوترات بدلا من انخفاض التهديدات النووية. لذلك، يتحول مشهد التنافس النووي نحو حقبة أكثر صدامية وعدم استقرار وخطورة.
وفي هذا السياق يكشف لنا الدكتور علي عبد النبي، خبير طاقة ونائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، تطورات الأوضاع في حوار خاص لـ "إيجبتك".

ما هي معاهدة نيو ستارت ومتى وُقعت؟
معاهدة نيو ستارت تمثل آخر الأعمدة المتبقية لنظام الحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، وُقعت في مدينة براغ بجمهورية التشيك في 8 أبريل 2010، ودخلت حيز التنفيذ رسميًا في 5 فبراير 2011 بعد استكمال إجراءات التصديق في كل من واشنطن وموسكو.
وكانت تهدف منذ البداية إلى فرض قيود صارمة على الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم.
ما وضع المعاهدة حاليا؟
المعاهدة تُعد حاليًا في أيامها الأخيرة، إذ من المقرر أن تنتهي رسميًا في 5 فبراير 2026، بعد أن تم تمديدها لمرة واحدة فقط لمدة خمس سنوات في عام 2021، وهذا التمديد كان الأخير وفق ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد اقترح بشكل غير رسمي الحفاظ على سقف الرؤوس الحربية المنصوص عليه في المعاهدة لتجنب اندلاع سباق تسلح نووي جديد، بعد رفض الولايات المتحدة طلبًا روسيًا بتمديد الالتزام لمدة عام إضافي، في حين أبدت الإدارة الأمريكية رغبة في التوصل إلى اتفاقية جديدة أوسع تشمل الصين، وفق توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أظهر عدم قلقه من انتهاء المعاهدة الحالية.
ما القيود التي فرضتها المعاهدة؟
معاهدة نيو ستارت وضعت حدودًا واضحة للترسانتين النوويتين الأمريكية والروسية، حيث نصت على سقف لا يتجاوز 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا منتشرًا، و700 وسيلة إيصال تشمل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والصواريخ المنطلقة من الغواصات والقاذفات الثقيلة، إضافة إلى 800 منصة إطلاق سواء كانت منتشرة أو غير منتشرة.
كيف هو الوضع العالمي للترسانات النووية؟
وفقًا للتقارير الصادرة مطلع عام 2026، تمتلك تسع دول أسلحة نووية بإجمالي يقدر بنحو 12321 رأسًا نوويًا، وتسيطر الولايات المتحدة وروسيا وحدهما على نحو 86 في المئة من هذا المخزون.
وتتصدر روسيا الدول النووية بإجمالي 5459 رأسًا نوويًا، منها نحو 1718 رأسًا منشورًا وجاهزًا للاستخدام الفوري، بينما تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بإجمالي 5177 رأسًا، تشمل نحو 1770 رأسًا منشورًا و1930 في الاحتياط، إضافة إلى رؤوس متقاعدة بانتظار التفكيك.
وتشهد الصين توسعًا سريعًا في ترسانتها لتصل إلى 600 رأس نووي، مع سعيها للوصول إلى حالة من التكافؤ النسبي مع القوى النووية الكبرى. فرنسا تمتلك نحو 290 رأسًا نوويًا، وبريطانيا نحو 225 رأسًا نوويًا. الهند تمتلك نحو 180 رأسًا، وباكستان حوالي 170 رأسًا، وإسرائيل نحو 90 رأسًا، وكوريا الشمالية نحو 50 رأسًا نوويًا مجمعًا مع قدرة على التوسع.

هل نشهد تصاعد سباق التسلح النووي عالميًا؟
تدل المؤشرات على عودة سباق التسلح النووي، ويُشار إليه أحيانًا باسم الحرب الباردة الثانية. العالم يمر بمرحلة تصاعدية حادة نتيجة انهيار منظومة معاهدات الحد من الأسلحة وتسارع برامج تحديث الترسانات الكبرى. الولايات المتحدة وروسيا شهدتا تآكلًا في الاتفاقيات القائمة، على رأسها معاهدة ستارت الجديدة، وهو ما يعكس تصاعد التوترات بدلًا من تراجع التهديد النووي ويدفع النظام الدولي نحو مرحلة أكثر صدامية واضطرابًا.
ما تأثير انتهاء معاهدة نيو ستارت على ميزان القوى بين واشنطن وموسكو؟
انتهاء المعاهدة يعني دخول العالم مرحلة من العمى الاستراتيجي، إذ أصبح بالإمكان إعادة تحميل الصواريخ الباليستية برؤوس متعددة، مع تحرر الطرفين من سقف 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا.
وغياب آليات التفتيش وتبادل البيانات سيؤدي إلى توقف المراقبة المتبادلة وزيادة الاعتماد على تقديرات الاستخبارات، ما يدفع الجانبين إلى تبني أسوأ السيناريوهات المحتملة ويحفز سباقًا عسكريًا قائمًا على التخمين. التنافس سيتحول من التركيز على الكم إلى التركيز على النوع، حيث تراهن روسيا على أسلحة استراتيجية متطورة، بينما تركز الولايات المتحدة على تحديث شامل للثالوث النووي، مع انتقال ميزان الردع من الثنائية التقليدية إلى معادلة ثلاثية تضم الصين، مما يزيد من مخاطر التصعيد غير المقصود.

ما الجهود الدولية لاحتواء الموقف؟
حذرت الأمم المتحدة من الاقتراب من حافة الهاوية ووصفت انتهاء المعاهدة باللحظة الحاسمة التي تهدد نظام منع الانتشار النووي، داعية إلى تعزيز معاهدة حظر الأسلحة النووية كبديل أخلاقي وقانوني. الصين تتابع التطورات بحذر وتدعو الولايات المتحدة إلى الاستجابة للمقترحات الرامية للحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي، مع رفض الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية في ظل الفجوة الكبيرة بين ترسانتها وترسانتي واشنطن وموسكو.
كما تخشى الدول الأوروبية من تحول القارة إلى ساحة سباق تسلح جديد، وتحذر منظمات دولية من فقدان آليات التفتيش التي كانت تمثل عين النظام الدولي، لافتا إلى أن الاعتماد الكامل على التقديرات الاستخباراتية يضع البشرية أمام مستقبل بالغ الخطورة.
كما أشار إلى أن بعض الخبراء يقترحون اتفاقات سياسية مؤقتة لضمان استمرار تبادل الحد الأدنى من البيانات والالتزام الطوعي بالسقوف الحالية لكسب الوقت حتى إطلاق مفاوضات دولية جديدة أكثر شمولًا.