استبيان "إيجبتك"|10 خبراء يجيبون: ماذا لو انتقلت قناة السويس للبنك المركزي
خلال الأيام الماضية، تصدر المشهد الاقتصادي المصري ما عرف إعلاميًا بـ "المقايضة الكبرى"، وهو المقترح الذي طرحه المصرفي ورجل الأعمال حسن هيكل، ويقوم على فكرة نقل ملكية هيئة قناة السويس من وزارة المالية إلى البنك المركزي المصري، باعتبارها أصلًا استراتيجيًا يقابل الدين المحلي، بما يسمح وفق الطرح بتصفير جزء كبير من المديونية المحلية وخفض عبء فوائد الدين التي تثقل كاهل الموازنة العامة.
ويرتكز المقترح على أن الأزمة الأساسية التي تعاني منها المالية العامة ليست في ضعف الإيرادات، بل في التضخم الهائل لفوائد الدين المحلي، والتي وصلت – وفق ما ذكره هيكل – إلى مستويات تبتلع كامل الإيرادات تقريبًا في بعض الفترات، ما أدى إلى "انسداد الشريان" الذي يفترض أن يمول التعليم والصحة والاستثمار العام.
لماذا قناة السويس؟ ولماذا البنك المركزي؟
يرى أصحاب الطرح أن قناة السويس تمثل أصلا سياديا فريدًا، يدر تدفقات نقدية دولارية مستقرة، ويمكن في حالة ما تم تقييمه دوليًا أن يعادل قيمة الدين المحلي تقريبًا.
وبحسب المقترح، فإن نقل ملكية الهيئة إلى البنك المركزي لا يعد بيعًا أو خصخصة أو رهن، بل إعادة هيكلة محاسبية داخل الدولة، بحيث يحتفظ البنك المركزي بالأصل مقابل إسقاط الدين المحلي من دفاتر الموازنة، ما يخفف عبء فوائد يُقدَّر بمئات المليارات سنويًا.
وقد حظي الطرح بدعم عدد محدود من المتابعين، كما أعلن رئيس حزب الوفد السيد البدوي تأييده للفكرة، معتبرًا أنها حل "غير تقليدي" لأزمة غير تقليدية.
منهجية الاستبيان
في هذا السياق، أجرى موقع "إيجبتك" هذا الاستبيان الموسع، بهدف قراءة مدى جدوى مقترح "المقايضة الكبرى" من عدمه، وذلك في إطار من المهنية والمصداقية، عبر الاستماع لآراء 10 خبراء اقتصاديين ومصرفيين، يمثلون مدارس فكرية مختلفة، ويقدمون قراءة معمقة لتداعيات المقترح على الاقتصاد، والسيادة، والاستقرار المالي.
هاني توفيق – خبير اقتصادي
يرى هاني توفيق أن ما يطرح تحت مسميات مثل "مبادلة الأصول بالديون" أو "نقل قناة السويس للبنك المركزي" لا يغير من جوهر الأزمة شيئًا، معتبرًا أن الدولة ستظل في جميع الأحوال مدينة، سواء جرى تسجيل الدين هنا أو هناك.
وأكد توفيق في تصريات خاصة لـ"إيجبتك" أن الدين العام المصري بلغ مستويات ضخمة، تتجاوز 163.7 مليار دولار خارجيًا، ونحو 12 تريليون جنيه محليًا، مشددًا على أن أي حلول محاسبية لن تُسقط هذه الحقيقة، بل قد تخلق وهمًا بالتحسن دون معالجة الأسباب الحقيقية.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن الأزمة ليست في "غياب الأصول"، فالدولة تمتلك أصولا ضخمة، بل في ضعف الاستثمار المنتج والتشغيل والتصدير، وهي المحركات الوحيدة القادرة على خلق دخول حقيقية تسد الديون.

وأوضح توفيق أن الطريق الصحيح يبدأ من تشجيع الاستثمار، ورفع الإنتاجية، وزيادة الصادرات، لا من "تلبيس الطواقي" أو تدوير الديون بأسماء مختلفة.
إبراهيم النمر – مفكر اقتصادي ورئيس قسم التحليل الفني بالنعيم القابضة
ينطلق إبراهيم النمر من سؤال جوهري: من هو صاحب الدين أصلًا؟
وأوضح النمر في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أن الديون المحلية ليست مستحقة للبنك المركزي، بل للبنوك التجارية والحكومية، وهذه البنوك لا تملك الأموال، بل تدير ودائع المواطنين.
وأكد رئيس قسم التحليل الفني بالنعيم القابضة أن نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي لن يسدد ديون المودعين، ولن يغير من التزامات الدولة تجاههم، لأن المركزي ليس الدائن الحقيقي.

كما لفت إلى إشكالية أخرى تتعلق بإدارة السيولة، فالبنوك بطبيعتها تحتاج إلى أصول قابلة للتسييل، بينما قناة السويس أصل ثابت لا يمكن بيعه أو تسييله دون المساس بالسيادة، ما يجعل المقايضة معادلة غير قابلة للحل.
إقرأ أيضًا.. «نزيف» المعدن الأصفر.. خسائر بالمليارات تضرب 10 دول عربية مالكة للذهب
وحذر النمر من أن الطرح قد يفزع المستثمرين الأجانب، خاصة استثمارات الأموال الساخنة "Hot Money" التي تتجاوز 40 مليار دولار، والتي قد تخرج سريعًا كما حدث في 2022، حال شعورها بعدم استقرار القواعد المالية.
الدكتور عبد المنعم السيد – مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية
ووصف عبد المنعم السيد "المقايضة الكبرى" بأنها حل ظاهري يتجاوز جوهر الأزمة، مؤكدًا أن مصر لا تعاني نقصًا في الأصول، بل من أزمة إنتاج وتنافسية وإدارة موارد.
وأشار السيد إلى أن البنك المركزي ليس جهة لإدارة الأصول، بل مؤسسة مسؤولة عن السياسة النقدية، والسيولة، والتضخم، والاحتياطي النقدي، وأن تحميله بأصول سيادية يخلط الأدوار ويُضعف الاستقلال المؤسسي.
كما حذر من أن هذا الطرح يحول الدين من التزام مالي إلى مدخل لتغيير هيكل الملكية الوطنية، وهو مسار شديد الخطورة، يرسخ منطق "كلما تعثرنا بعنا أكثر".

وأكد أن الحل الحقيقي يكمن في تعظيم العائد من الأصول لا مقايضتها، وإعادة هيكلة الاقتصاد لصالح الصناعة والتصدير، لا البحث عن حلول سهلة قصيرة الأجل.
حسام عيد – محلل أسواق المال وعضو مجلس إدارة كابيتال فايننشال
يرى حسام عيد أن استبدال الديون بالأصول لدى البنك المركزي فكرة عقيمة اقتصاديًا، حتى لو حسّنت الأرقام شكليًا، لأنها لا تُحدث تحسنًا حقيقيًا في عمق الاقتصاد.
ويستشهد بتجربة بنك الاستثمار القومي، الذي عانى لسنوات طويلة بعد استبدال ديونه بأسهم في شركات قطاع الأعمال، ما أدى إلى خسائر متراكمة.

وأكد أن الحل الوحيد لتقليص بند خدمة الدين هو زيادة الإنتاج وإعادة هيكلة الشركات المدينة للدولة، وتحويلها من عبء على الموازنة إلى مورد حقيقي، كما لفت إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في الدين الخارجي، بينما الدين المحلي يمكن التعامل معه تدريجيًا عبر النمو الحقيقي وزيادة الإيرادات.
قد يعجبك.. الذهب ينحرف والفضة تستغل الظروف.. سباق المعادن يلتهم جيوب العملاء|دراسة
وشدد عضو مجلس إدارة كابيتال فايننشال على أن الأسواق لا تقيس نجاح السياسات بالأرقام المجردة، بل بقدرتها على خلق نمو مستدام وفرص عمل، وهو ما لا تحققه مبادلة الأصول بالديون.
وأضاف أن تجربة المؤسسات التي حملت أصولًا غير مناسبة لطبيعة عملها تؤكد أن النتيجة غالبًا تكون تآكلًا في الكفاءة وارتفاعًا في المخاطر.
وأكد عيد على أن الحل الوحيد القابل للاستمرار يتمثل في تحويل الشركات والهيئات الخاسرة إلى كيانات منتجة، بما يرفع الإيرادات ويخفف عبء الدين دون المساس بالأصول السيادية.
محمد عبد العال – خبير مصرفي
وقدم محمد عبد العال قراءة متوازنة، معتبرًا أن المقترح يبدو ذكيًا محاسبيًا، لكنه محفوف بمخاطر تمس الأمن القومي الاقتصادي، محذرًا من تضارب المصالح، لأن امتلاك البنك المركزي لأصول إنتاجية يضعف استقلاليته كمنظم ورقيب.

كما أشار عبدالعال إلى أن وكالات التصنيف الدولية تُقيّم سيولة الأصول، وليس قيمتها الدفترية، واستبدال الدين بأصل غير سائل قد يضعف المركز المالي للمركزي، مشيرًا إلي أن المقترح "تجميلي لا هيكلي"، وقد يخلق شعور زائف بالأمان يشجع على مزيد من الاقتراض.
الدكتور إسلام جمال الدين خبير اقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي
يرى الدكتور إسلام جمال الدين أن مقترح "المقايضة الكبرى" يعكس ميلا واضحا نحو الحلول السهلة محاسبيًا، على حساب المعالجة العميقة للاختلالات الهيكلية في الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أن نقل أصل سيادي بحجم قناة السويس لا يخلق ثروة جديدة، بل يعيد توزيع الأرقام داخل دفاتر الدولة.
وأكد جمال الدين أن جوهر الأزمة الاقتصادية في مصر يتمثل في ضعف قاعدة الإنتاج الحقيقي، وتراجع مساهمة الصناعة والزراعة ذات القيمة المضافة في الناتج المحلي، وهو ما يؤدي تلقائيًا إلى اتساع فجوة العجز والدين، بغض النظر عن حجم الأصول المملوكة للدولة.
إقرأ أيضًا.. رئيس البورصة في حوار لـ"إيجبتك": تحليل حصاد 2025 وخطط 2026 ورسائل للمستثمر
وحذر من أن إدخال البنك المركزي في إدارة أصول سيادية يخل بدوره الأساسي كمؤسسة مستقلة، مهمتها ضبط السياسة النقدية واستقرار الأسعار، وليس تحمل مخاطر تشغيلية وسياسية مرتبطة بممر ملاحي عالمي يتأثر بعوامل جيوسياسية خارجة عن السيطرة.

وأشار جمال الدين إلي أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من إعادة هيكلة نموذج النمو نفسه، عبر دعم التصنيع وتحفيز الاستثمار طويل الأجل، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وليس عبر نقل الأصول من مؤسسة إلى أخرى.
باسم أحمد- محلل أسواق المال ومدير مبيعات الأفراد بشركة الأهلي فاروس
وينظر باسم أحمد إلى المقترح من زاوية أسواق المال، معتبرًا أن أخطر ما فيه ليس آليته، بل الرسالة التي قد تصل للمستثمرين المحليين والأجانب، والتي مفادها أن الدولة تبحث عن حلول استثنائية لتخفيف عبء الدين بدلًا من معالجته من جذوره.
وأشار إلى أن الأسواق حسّاسة للغاية لأي إشارات تمس الأصول السيادية، وأن مجرد طرح فكرة نقل قناة السويس إلى البنك المركزي قد يفسر خارجيًا كاعتراف غير مباشر بضغط مالي مرتفع، وهو ما قد ينعكس على تكلفة الاقتراض والتصنيف الائتماني.

إقرأ أيضًا.. "توليد الثروة".. استثمار الأسهم يتفوق على الذهب في معركة الـ 200 عام
كما يلفت إلى أن البنك المركزي، من منظور المستثمرين، يجب أن يحتفظ بميزانية شديدة التحفظ، تعتمد على أصول سائلة وآمنة، وليس أصول تشغيلية مرتبطة بتقلبات التجارة العالمية وأسعار الشحن.
الدكتور خالد سيد محمد - استشاري الإدارة والتسويق
ويرى الدكتور خالد سيد محمد أن فكرة "المقايضة الكبرى" تكشف في جوهرها عن أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة تمويل، موضحًا أن الدول لا تفشل بسبب نقص الأصول، بل بسبب ضعف القدرة على تعظيم العائد منها.
وأشار إلى أن قناة السويس تدار بالفعل ككيان يحقق أرباحًا، وأن التحدي الحقيقي ليس في ملكيتها بل في تعظيم دورها داخل منظومة اقتصادية أوسع تشمل الخدمات اللوجستية، والصناعات المرتبطة، والمناطق الاقتصادية.
وحذر من أن نقل الأصل إلى البنك المركزي قد يؤدي إلى تشوّش إداري واستراتيجي، حيث يتم الفصل بين الجهة التي تشغل والجهة التي تمتلك، دون إضافة قيمة حقيقية، وهو ما قد يخلق ازدواجية في اتخاذ القرار.

وأكد على أن الإصلاح الإداري ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين الحوكمة، هي أدوات أكثر استدامة من أي حلول استثنائية تعتمد على نقل الملكيات.
حسن مرتضى - خبير اقتصادي
أكد حسن مرتضى أن مقترح المقايضة ينطلق من منطق "إطفاء الحريق" بدلًا من بناء نظام مقاوم للاشتعال، موضحًا أن الأزمات المالية لا تحل بإجراءات لمرة واحدة، بل بسياسات تراكمية طويلة الأجل.
ويرى أن تحويل قناة السويس إلى أداة لمعادلة الدين قد يُضعف قدرتها على لعب دورها الطبيعي كمصدر مستدام للعملة الصعبة، خاصة إذا أصبحت جزءًا من ميزانية مؤسسة نقدية تتأثر بالضغوط السياسية والمالية.
وأشار مرتضى إلى أن تجارب الدول التي لجأت إلى حلول مشابهة انتهت غالبًا بعودة الأزمة بعد سنوات، ولكن بأصول أقل ومساحة مناورة أضيق، لأن المشكلة الأساسية لم تُحل.
وأوضح الخبير الاقتصادي بأن الطريق الآمن يمر عبر تنويع مصادر الدخل الدولاري، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على الاقتراض، لا عبر إعادة تدوير الديون.
رضا شعبان - خبير اقتصادي
يرى رضا شعبان أن أخطر ما في المقترح هو تحويل الأصول السيادية إلى أوراق تفاوض مالية، بما يخلق سابقة قد يصعب احتواؤها مستقبلًا إذا ما تفاقمت الأزمات.
وأكد شعبان أن الدين العام يجب أن يدار بأدوات مالية واضحة وشفافة، مثل إطالة آجاله، وخفض تكلفته، وتحسين هيكله لا عبر حلول استثنائية تخلط بين الملكية والإدارة.

قد يعجبك.. الـ1000 جنيه مكسبها 600.. نصائح إيجبتك للاستثمار في البورصة
كما حذر من أن أي مساس بالبنية التقليدية لدور البنك المركزي قد ينعكس سلبًا على ثقة المواطنين في النظام النقدي، وهي ثقة تعد حجر الأساس لأي استقرار اقتصادي، مضيفًا أن الإصلاح الحقيقي يتطلب إرادة سياسية واقتصادية للاستثمار في الإنتاج، لا البحث عن مخارج محاسبية مؤقتة.
وفقًا لآراء الخبراء المشاركين في استبيان "إيجبتك"، فإن ما يعرف بـ "المقايضة الكبرى" لا يمثل حلًا جذريًا لأزمة الدين، بل معالجة محاسبية مؤقتة، تنطوي على مخاطر مؤسسية وسيادية، ولا تعالج أصل المشكلة المتمثل في ضعف الإنتاج والتصدير.
ويتقدم موقع إيجبتك بالشكر والتقدير لجميع الخبراء الذين شاركوا بآرائهم وتحليلاتهم، في إطار التزامنا بتقديم محتوى اقتصادي مهني ومتوازن لقرائنا.