مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وظهور تهديدات نووية وصاروخية متزايدة، تواجه الدول العربية مأزقًا استراتيجيًا معقدًا يضعها بين الإصرار الأمريكي على المواجهة وطموحات إيران الإقليمية. هذه الدول وتركيا كقوة إقليمية معها، تدرك أن أي صراع واسع لن يكون محصورًا في حدود إيران، بل سيمتد إلى ساحاتها المفتوحة، بما في ذلك العراق ولبنان وسوريا واليمن والدول الإقليمية، ويهدد الأمن الداخلي والاستقرار الاقتصادي، ويستنزف مواردها البشرية والمادية.
في هذا الإطار، تبرز الحاجة العربية لوضع سياق للردع وضمانات واضحة تحول دون استمرار تمدد النفوذ الإيراني، ولتحافظ هذه الدول على دورها السياسي كفاعل إقليمي في صياغة موازين القوى، مقابل سعيها لمنع اندلاع حرب شاملة.
ورغم التوافق بين أمريكا والدول العربية في الشروط التي وضعتها إدارة ترامب لتجنب الحرب مع إيران، والتي تتمحور حول وقف التخصيب النووي بالكامل، وإخراج المخزون النووي خارج الحدود الإيرانية، وفرض قيود على برنامجها الصاروخي، وإنهاء دعمها للوكلاء الإقليميين في دول مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن، إلا أن الأهداف تتباين بين الجانبين؛ فأمريكا ترغب في الحد من النفوذ الإقليمي لإيران في مقابل النفوذ الإسرائيلي، وتحجيم النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، بينما لا تريد الدول العربية وتركيا مزيدًا من النفوذ الإسرائيلي، بل ردعه كالنّفوذ الإيراني، لأنها لن تكون بمنأى عن الاستهداف والهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، فضلًا عن رغبة الدول العربية أن تتوفر قوى متعددة في المنطقة لتوازن النفوذ الأمريكي لعودة الاستقرار للمنطقة، كما أن تنفيذ هذه الشروط بالقوة العسكرية ستتحمل الدول العربية التكلفة الأكبر على الأرض، بينما يمكن للولايات المتحدة تجنّب أي أضرار مباشرة.
في الوقت نفسه، تشهد المنطقة تحولات عسكرية عالمية جديدة، أبرزها المناورات المشتركة التي ستُنفذ منتصف هذا الشهر بين إيران وروسيا والصين، والتي كشفت عن قدرات متقدمة للغاية، مثل الصاروخ الفرط صوتي YJ-21 المحمول على متن المدمرة الضخمة Type-055 الصينية، الذي تصل سرعته إلى نحو عشرة أضعاف سرعة الصوت، ويهاجم بزوايا شبه عمودية، ما يجعل اعتراضه صعبًا للغاية على أنظمة الدفاع التقليدية، ويعيد تشكيل معادلة الردع البحري في المنطقة.
لا تُعد المناورات الثلاثية بين الصين وروسيا وإيران مجرد تدريب تقني، بل تمثل رسالة سياسية–استراتيجية واضحة للعالم: تحالفات جديدة ضد التفرد الأمريكي، ونقل تقنيات الردع البحري المتقدمة إلى حلفاء إقليميين، بما يعزز قدرة إيران على الردع غير المباشر، ويمنحها مجالًا أوسع للتفاوض مع القوى الغربية والدول العربية، ولذا تم تأجيل هذه المناورات لمنتصف الشهر وليس في بدايته، لإعطاء فرصة للمفاوضات للوصول إلى حل، ومن المتوقع أن يتم نقل اليورانيوم المخصب إلى روسيا كمحاولة لاسترضاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويشعر أنه حقق انتصارًا جزئيًا.
تدفع هذه المعادلة الدول العربية إلى إعادة التفكير في استراتيجيات الأمن البحري، وإعادة تعريف دورها كـ«منطقة توازن» قادرة على تجنب الحرب، بدلًا من الانجرار إلى صراع مباشر قد يكون مدمّرًا، فضلًا عن قدرتها على ردع النفوذ الإيراني والإسرائيلي معًا.
ويختبر هذا الوضع قدرة العرب على وقف الحرب قبل هذه المناورات، التي من شأنها تقوية الموقف الإيراني وتثبيت المشهد، وفرض ضمانات ملموسة لإبقاء الصراعات ضمن نطاق السيطرة.
الدول العربية، إذن، لا تسعى فقط لتجنب الحرب، بل تريد مطالب وضمانات محددة من واشنطن وطهران معًا. تشمل هذه المطالب الحد من العمليات العسكرية المباشرة، وضمان عدم استخدام القوة ضد أراضيها، وتعزيز آليات مراقبة للتأكد من الامتثال للاتفاقيات، وكذلك تطوير قنوات دبلوماسية إقليمية لدعم أي تفاهمات طويلة الأمد.
الهدف ليس مجرد وقف التصعيد الحالي، بل حماية الأمن القومي العربي، والحفاظ على هامش القرار الاستراتيجي، دون الوقوع في التبعية المطلقة لأي قوة خارجية، سواء كانت أمريكية أو صينية أو روسية.
الرهان العربي اليوم هو القدرة على خلق توازن دقيق يسمح لإيران بالاحتفاظ بقدرتها الردعية الكافية، بما يكفي لإبعاد خطر الحرب المباشرة، وفي الوقت نفسه يدفعها نحو تفاهمات مع الدول العربية لتجنب تصعيد أكبر. هذا التوازن لا يقوم على الانحياز الكامل لأي طرف، بل على سياسة واقعية، تستخدم التفاوض والدبلوماسية كأدوات أساسية، ليحترم جميع الأطراف مصالح المنطقة.
من منظور استراتيجي، يمكن القول إن التحركات العربية تمثل مزيجًا من العقلانية والحذر الواقعي؛ فهي توافق جزئيًا على أهداف الولايات المتحدة في احتواء إيران، لكنها تختلف جذريًا حول الوسائل والتداعيات، مع التركيز على أمنها القومي والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتحويل التهديدات المحتملة إلى أدوات تفاوضية لصالحها.
يعكس هذا النهج وعيًا بأن الأمن القومي العربي لم يعد ممكنًا في ظل الاعتماد على جهة واحدة، وأن مواجهة التحديات النووية والصاروخية والإقليمية تتطلب استراتيجية شاملة، متعددة المستويات، تجمع بين الردع والدبلوماسية والمراقبة والتفاهمات الإقليمية.
الخلاصة، يظهر السعي العربي لوقف الحرب ضد إيران كعملية حسابية دقيقة، تهدف إلى حماية مصالح المنطقة، وضمان استقرار طويل الأمد، وتحويل التحديات الاستراتيجية إلى أدوات تفاوضية لصالح الأمن القومي العربي.