رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عندما تشتد الأزمات، يتطلع الناس إلى ظهور البطل. الآن، بينما العالم في وضع مأزوم، ينتظر سكان الكرة الأرضية بطلاً ينقذ العالم ويخرج به من متاهات التخبط في السياسة العالمية. البطل صانع تاريخ العالم. كل أمة لها أبطالها الذين رسموا تاريخها وجغرافيتها. البطل يظهر وقت الشدة، عندما يصبح الظلام حالكًا، يخرج لينير الحياة لشعبه، ليصل بأهله وأمته إلى بر الأمان. والبطولة ليست كلمة تقال للتزيين، ولا البطل صورة معلقة في ذاكرة الشعوب بلا معنى؛ البطولة منذ فجر التاريخ حاجة إنسانية عميقة، تبحث عنها الأمم كلما اشتد الظلام، وكلما تعثرت الخطى، أو بدا المستقبل غامضًا. في لحظات الضعف الجماعي، تنظر الشعوب حولها لا بحثًا عن معجزة، بل عن إنسان يملك شجاعة التقدم، يجيد إدارة الدفة حين تضطرب السفينة، يعرف الاتجاه حين تتكاثر العواصف. عندها يولد البطل، لا من فراغ، بل من رحم الحاجة.

البطولة في جوهرها ليست قوة عضلات ولا ضجيج سيوف، بل موقف أخلاقي يُتخذ في لحظة امتحان قاسية، حين يكون الصمت أسهل من الكلام، والتراجع أأمن من التقدم. هي اختيار الحق حين يصبح ثمنه باهظًا، والوقوف حين يختار الآخرون الجلوس، والثبات حين يصبح الخوف سيدًا للمشهد. البطل ليس خارقًا للطبيعة، بل إنسانًا عاديًا قرر ألا يتخلى عن إنسانيته في زمن المساومات. حين تشتد الأزمات، وتضيق الطرق، ويغيب الأمل، تلتفت الشعوب غريزيًا بحثًا عمن يتقدم الصفوف، لا لأنه الأقوى جسدًا، بل لأنه الأصدق إرادة، والأثبت موقفًا، والأوضح رؤية.

البطل الحقيقي لا تصنعه الألقاب ولا تصنعه الهتافات، بل تصنعه المواقف الصعبة التي تكشف جوهر الرجال. من يرى الظلم ولا يبرره، ويرى الخطر ولا يهرب، ويرى اليأس فلا يسمح له أن يستقر في قلبه. يجمع بين الشجاعة والحكمة، فلا يندفع بلا وعي، ولا يتراجع بلا سبب، ويحمل في داخله إخلاصًا صامتًا يجعله يعمل من أجل أمته لا من أجل مجده الشخصي، مستعدًا لأن يدفع الثمن وحده إن لزم الأمر.

دور البطل في حياة أمته لا يقتصر على تحقيق نصرٍ عسكري أو إنجاز سياسي، بل يتجاوز ذلك إلى إيقاظ الوعي، وبعث الأمل، وترميم الثقة المنكسرة في النفوس. البطل من يجعل الناس يؤمنون بأن التغيير ممكن، وأن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن الطريق إلى الغد يبدأ بخطوة شجاعة اليوم. قد لا يحمل البطل أمته على كتفيه، لكنه يدلها على الطريق، ويمنحها الشجاعة للسير.

كثيرًا ما اختزل الناس البطولة في ميادين الحرب وساحات القتال، مع أن البطولة أوسع من ذلك بكثير؛ هي حاضرة في كل موقف يتطلب شجاعة أخلاقية أو فكرية أو إنسانية. قد يكون البطل معلمًا يصمد في وجه الجهل ويصنع أجيالًا، أو طبيبًا يواجه الأوبئة والمخاطر لينقذ الأرواح، أو مفكرًا يقف وحيدًا في وجه التضليل دفاعًا عن الحقيقة، أو أمًا تربي أبناءها على القيم في زمن الانهيار، أو إنسانًا بسيطًا يرفض أن يساوم على شرفه في عالم تسهل فيه الخيانة.

على امتداد التاريخ، قدمت البشرية نماذج متنوّعة للبطولة تجاوزت الحدود والثقافات. غاندي في الهند أثبت أن المقاومة يمكن أن تكون أخلاقية، وأن اللاعنف قادر على إسقاط إمبراطورية، ونيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا حوّل السجن إلى مدرسة للحرية، وفضّل المصالحة على الانتقام، ومارتن لوثر كينج جسّد بطولة الكلمة حين واجه العنصرية بحلم المساواة، وجان دارك في فرنسا كانت فتاة صغيرة حملت شجاعة أمة كاملة، وأبراهام لينكولن وقف ثابتًا في أكثر مراحل بلاده انقسامًا دفاعًا عن وحدة الإنسان وكرامته، والأم تيريزا جعلت من الرحمة بطولة يومية في أزقة الفقر، وليوناردو دا فنشي مثّل بطولة العقل حين سبق عصره وأثبت أن المعرفة شكل من أشكال الخلود.

في مصر تجسدت البطولة في شخص الرئيس جمال عبد الناصر، الذي انتشل البلاد من الإقطاع والرجعية. طرد الاحتلال الإنجليزي، واستعاد قناة السويس، وبنى السد العالي، وعمل على تحرير الشعوب العربية آملًا في وحدة عربية كبرى وإعلاء القومية العربية، ونهض بالمواطن منحازًا للفقراء. في المقابل، هناك أبطال لم تُسجَّل أسماؤهم الكتب، ولم تُنصب لهم التماثيل، لكنهم يعيشون في ذاكرة الحياة نفسها؛ أولئك الذين اختاروا الصدق حين كان الكذب أقصر طريق، واختاروا الخير حين كان الشر أسهل، ومضوا في دروبهم بصمت، مؤمنين أن البطولة الحقيقية لا تحتاج شهودًا.

تبقى البطولة مسؤولية قبل أن تكون لقبًا، ورسالة قبل أن تكون مجدًا. هي لا تطلب إنسانًا كامل الأوصاف، بل إنسانًا شجاعًا يدرك حجم اللحظة، ويقرر أن يكون على قدرها. فالأمم لا تحتاج بطلًا يغير العالم كله، بل تحتاج من يغير وجه العالم من حوله، بإيمان، وصدق، وشجاعة لا تنكسر. البطل لا يغير الواقع وحده، لكنه يوقظ الإرادة الجماعية. هو الشعلة التي تشعل ألف شعلة، والشرارة التي تحرك الساكن.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء