وسط دعوات التصعيد، وظروف إنسانية كارثية، لم يكن فتح معبر رفح في ظل هذه الأوضاع مجرد إجراء حدودي أو استجابة إنسانية عابرة، بل لحظة سياسية كاشفة، تعلن بشكل عملي فشل أكبر مؤامرة لتهجير الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته منذ اندلاع حرب الإبادة بعد السابع من أكتوبر 2023 تحت ضغط القصف والقتل والتدمير والحصار المطبق.
اليوم ومع عودة المعبر للعمل كبداية فعلية للمرحلة الثانية من اتفاق السلام الموقع في شرم الشيخ، تكشّف مشهد إنساني وسياسي بالغ الدلالة، مشهد يختزل كل معاني الصمود الأسطوري، العودة للجلوس علي تراب الوطن، العائدين لا يفرّون من الموت، بل يهرعون إلى الوطن حتي وإن صار كومة من الركام . فلم تكن دموع الفرح التي ارتسمت على وجوه العائدين عبر معبر رفح مجرد تعبير عاطفي، بل شهادة حية على سقوط كل الرهانات التي افترضت أن ألة القتل والتدمير عبر القصف المكثف والحصار الخانق قادرة على كسر الإرادة الفلسطينية، وإجبارهم على ترك وطنهم.
فالأرض، في الوعي الفلسطيني، ليست مجرد مساحة جغرافية قابلة للاستبدال، بل جوهر الوجود ومعنى الكرامة، والعودة إلى منزل مهدّم، أو شارع بلا ملامح، هي في ذاتها جوهر المقاومة التي تنسف مخطط التهجير من جذوره.
لقد أثبتت غزة أن الركام، مهما بلغ، يظل أطهر من الشتات وأن كان في فنادق فاخرة، وأن البقاء على تراب الوطن هو الرسالة الأبلغ في وجه كل مخطات التهجير .
إن فتح معبر رفح هو نتاج جهد تراكمي شاق، قادته القاهرة في واحدة من أعقد لحظات الإقليم، حين تداخل العسكري بالإنساني، والسياسي بالأمني.
وقد تجلى هذا الدور عبر مسارات متوازية ومتكاملة علي المستوي السياسي تحركات مكثفة مع القوى الدولية لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع فرض حلول قسرية على الفلسطينيين.
وعلي المستوي الدبلوماسي رعاية مباحثات شرم الشيخ والتوصل إلى اتفاق السلام الذي انهي الحرب في قطاع غزة.
وعلي المستوي الميداني والإنساني دور بطولي لجهود الدولة المصرية بداية من تجهيز ميناء ومطار العريس لاستقبال المساعدات الإنسانية في مخازن مخصصة إضافة لجهود الهلال الأحمر المصري والتحالف الوطني للعمل الأهلي والأطقم الطبية والإغاثية، والإسعاف المصري، سيمفونية عمل جماعي عزفتها الدولة علي اعلي مستوي من الجاهزية إضافة إلي القرار السيادي الشجاع بفتح المعبر دون تحصيل أي رسوم سواء للدخول أو الخروج، تخفيفا للأعباء عن العابرين، وهذا تأكيد على أن مصر لا تتعامل مع غزة كـحدود، بل كـمسؤولية قومية، وتاريخية تجاه الأشقاء.
ومن المثير للسخرية، ولكن الأمر متوقع، أن نرى تلك الجماعات المشبوهة والقنوات المأجورة التي ملأت الدنيا صراخا وعويلا حين كان المعبر يواجه تحديات أمنية وعسكرية خارجة عن الإرادة، تلوذ الآن بالصمت، فبينما كانت مصر تبني الدعم الدولي، وتفتح الممرات الإغاثية وتدير معارك التفاوض الشرسة، كانت تلك الأبواق تكتفي بالتحريض. إن صمتهم اليوم عن تقدير الملحمة المصرية يعكس إفلاسهم الأخلاقي، ويثبت أن هدفهم لم يكن يوما نصرة القضية، بل محاولة النيل من استقرار الدولة المصرية التي أثبتت أنها الركيزة الأساسية التي لا يمكن تجاوزها.
إن فتح معبر رفح ليس نهاية الطريق بل بدايته، هو الخطوة الحاسمة لتثبيت وقف إطلاق النار وتثبيت الفلسطينيين على أرضهم، ومنع مخططات التهجير، فتح المعبر يمثل المحطة الأهم لبدء عملية إعادة الإعمار والتعافي، ستظل مصر كعهدها دائما السند والمدافع عن الحق الفلسطيني والضامن لتحويل الركام الي مدن تنبض بالحياة من جديد والتأكيد علي أن غزة جزء لا يتجزأ من تراب الدولة الفلسطينية.
ستبقي مصر كبيرة وعظيمة بأفعالها وسيبقي الفلسطيني صامدا متمسكا بأرضه ليكتب التاريخ أن الحق لا يضيع ما دام وراءه شعبٌ يرفض الرحيل، ودولةٌ مصرية تأبى الانكسار تدرك أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُصان بالإرادة، إرادة السلام.