رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليس سراً أن العالم يحارب التدخين، فهل نحن في غنى عن ذلك؟!

لم يعد التدخين اليوم فعلاً مرحباً به، بل إن أغلب دول العالم تضع اشتراطات تقلل بها مساحة حركة المدخنين أثناء التدخين، كتخصيص أماكن لهم للتدخين فيها، ولا يتم التهاون في قواعد السماح بالتدخين في مؤسسات العمل ذات البيئات عالية الجودة، حتى أصبح التدخين ليس بالفعل العفوي الذي يمكن التسامح معه، إلا هنا في مصر!

صحيح أن هناك تقدماً كبيراً في الوعي بمخاطر هذه العادة القاتلة؛ إلا أنه وللأسف الشديد، لا يزال تقنين التعامل معها لا يزال أمامه الكثير، خاصةً مع انخفاض نسبة الوعي المطلوب لمكافحتها، وأيضاً احترام حرية المساحات الخاصة بمعنى أنه إذا كان المدخن يرى أن من حقه التدخين، فبالأحرى من حق غير المدخن الاحتفاظ بحقه في عدم التدخين عن طريق التعرض للتدخين السلبي، وفي مصر يواجه كل ما له علاقة باحترام المساحات الشخصية تحديات كبيرة، وفيما يخص مسألة التدخين، نجد أنه من العادي أن يمارس المدخن عادته القاتلة أمام باب مكان لا يسمح له بالتدخين فيه، فيتسبب في دخول الأدخنة المسممة إلى داخل المكان، الذي ربما هو عيادة أو مستشفى، وهذهِ من المظاهر المعتادة جداً، ثم يقرر بوقاحة التطاول على من يطلب منه الابتعاد لمسافة كافية.

كل ما فات ليس جديداً، لكن ما أرغب في إثارته هنا، هو الحديث عن خطر جسيم محدق بنا ومؤكد، فإذا كانت مصر تتصدر وفقاً لتقارير عالمية معدل الوفيات بسبب إصابات التدخين، فإن الكارثة الأكبر هي اتجاه جيل المراهقين وأيضاً الشباب إلى التدخين، خاصةً الأنواع الجديدة من السجائر، والتي لسبب ما يعتقد الجميع أنها غير مضرة على اعتبار أنها بلا تبغ، مع أن المؤكد أنها تسبب الوفاة بسبب تكوينها للمياه على الرئة، لقد أصبح الأمر "موضة" يتباهى بها الشباب والفتيات، ومن لم يمارسها أًصبح غريباً بل ومنبوذاً!  

لن أتحدث عن التكلفة الاقتصادية لاستهلاك السجائر بأنواعها والتي ترتفع أسعارها يوماً بعد الآخر، لكن ذلك لا يمنع الأفراد من توجيه إنفاقهم إليها، لكنني أود فتح باب النقاش حول الخسائر الاقتصادية الأكبر بخسارة قوة العمل القائمة على الشباب، سواء من هم في مرحلة الشباب حالياً أو مراهقي اليوم شباب الغد، هل يتمتع هؤلاء باللياقة الصحية اللازمة للقيام بالأعمال؟ هل تكلفة العلاج والرعاية الصحية للأمراض المتعددة الناتجة عن التدخين لا تمثل عبئاً كبيراً على اقتصادنا؟ هل يستطيع هؤلاء تولي دفة اقتصاد لن يستطيعوا المساهمة فيه بسبب العجز الصحي؟

إننا نعاني بالفعل من مشاكل متنوعة تخص الجهاز التنفسي، بسبب انخفاض جودة الهواء في العاصمة والمدن الكبرى، بسبب ارتفاع عدد السيارات، والحرق العشوائي للمخلفات، والتغير المناخي، وليس سراً انخفاض مناعة الجهاز التنفسي للكثيرين بعد فترة الوباء، فهل نحن بالفعل نمتلك رفاهية السماح بالتدخين باعتباره حرية شخصية؟ لا .. هو ليس كذلك، هو أداة قتل متعمد بسبب ما يترتب عليه من آثار، ونحن في حاجة لوقفة حازمة لتقنين السماح بالتدخين في الأماكن العامة، ومنع بيع السجائر بأنواعها للمراهقين، وتطبيق عقوبات صارمة في هذا الشأن، ووضع خطة قومية لرفع مناعة الجهاز التنفسي للمراهقين بالتوازي مع الحملات القومية لمحاربة نقص التغذية والتقزم وغيرها من الحملات الصحية التي تشمل المدارس المصرية.

وبالطبع رفع الوعي بشكل مكثف بخطورة التدخين السلبي على الأطفال، ليس من الآباء وحسب، بل ومن الأمهات، فلم يعد نادراً مشاهدة سيدة حامل تمارس التدخين، أو أم تقود سيارتها وهي تدخن بجانب أطفالها.

إن الضريبة باهظة إن لم نسيطر على وباء التدخين، ولنا في تجارب الدول الأُخرى نماذج ناجحة، نحن أولى بها لحفظ مستقبل أمتنا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء