في لحظة دولية فارقة، تتشابك فيها خيوط الصراع، وتتصاعد فيها احتمالات المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى، تقف مصر في قلب العاصفة، لا كطرف منجرف وراء الاستقطاب، بل كدولة عاقلة تمتلك رؤية استراتيجية عميقة، قادرة على إدارة أخطر الملفات بعقل الدولة لا بانفعالات اللحظة، فبين التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، واحتدام الصراعات في غزة والبحر الأحمر وشرق المتوسط، تتحرك القاهرة بهدوء وثقة، ممسكة بمفاتيح التوازن، وساعية إلى منع المنطقة من الانزلاق نحو سيناريو الفوضى الشاملة، في أداء سياسي يعكس خبرة تاريخية، و نضجًا استراتيجيًا، وقدرة فائقة على استشراف مآلات الأحداث قبل وقوعها.
إن التحركات المصرية تجاه ما يجري بين واشنطن وطهران تعكس إدراكا بالغ الدقة لطبيعة الصراع وحدوده وأبعاده، ولا تنظر القاهرة إلى هذا التوتر باعتباره شأنا ثنائيا، بل ترى فيه أزمة إقليمية ودولية معقدة، ذات تأثير مباشر على استقرار الشرق الأوسط، وأمن الممرات الملاحية، وأسواق الطاقة، و التوازنات الجيوسياسية في المنطقة بأسرها، ومن هذا المنطلق، تتحرك الدبلوماسية المصرية على أكثر من مسار، جامعة بين الحوار السياسي، والتواصل الدبلوماسي المكثف، وتوظيف علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.
لقد حرصت مصر منذ بداية التصعيد على تبني خطاب عقلاني يدعو إلى ضبط النفس، وتغليب منطق الحوار، ورفض سياسات حافة الهاوية التي قد تقود المنطقة إلى مواجهة شاملة، ستكون كلفتها باهظة على الجميع، حيث تتمتع القاهرة بمصداقية عالية في هذا السياق، بحكم علاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة، وقنوات التواصل المفتوحة مع إيران، فضلا عن ثقلها الإقليمي ومكانتها الدولية، وهو ما يمنحها قدرة حقيقية على لعب دور الوسيط النزيه القادر على تقريب وجهات النظر.
وتدرك الدولة المصرية أن أي مواجهة عسكرية مباشرة بين واشنطن وطهران لن تكون محدودة النطاق، بل ستمتد آثارها إلى الخليج العربي، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، وهو ما يهدد خطوط التجارة العالمية، ويؤثر سلبا على قناة السويس، أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري والعالمي، ولذلك فإن التحرك المصري المبكر يأتي لتخفيف حدة التوتر، والحيلولة دون انفجار الموقف، باعتباره دفاعا استباقيا عن المصالح الوطنية المصرية.
وفي هذا الإطار، كثفت القاهرة اتصالاتها الدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، سعيا لبناء موقف جماعي ضاغط نحو التهدئة، والتأكيد على أن الحلول السياسية والدبلوماسية هي السبيل الوحيد لتجاوز هذه الأزمة، كما دعمت مصر الجهود الدولية الرامية إلى إعادة إحياء مسارات التفاوض بشأن الملف النووي الإيراني، باعتباره مدخلًا رئيسيًا لخفض التصعيد، وإعادة بناء الثقة بين طهران والغرب.
ولا يمكن فصل هذا التحرك المصري عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل الأزمة الأمريكية الإيرانية مع ملفات ملتهبة أخرى، أبرزها الحرب في غزة، والتوتر في البحر الأحمر، والأوضاع غير المستقرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، القاهرة تنظر إلى المشهد باعتباره منظومة أزمات مترابطة، لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها البعض، وهو ما يفرض مقاربة شاملة، تتجاوز الحلول الجزئية أو المؤقتة.
وفي ظل هذا التعقيد، تتحرك مصر وفق مبدأ “إدارة المخاطر”، وليس فقط “إدارة الأزمات”، أي العمل على منع تحول التوترات القائمة إلى صراعات مفتوحة، عبر الدبلوماسية الوقائية، وبناء شبكات تواصل متعددة المسارات، وهو ما يعكس نضجًا كبيرًا في الأداء السياسي المصري، وقدرة فائقة على استشراف المستقبل.
كما يبرز البعد الاقتصادي بقوة في حسابات الدولة المصرية، إذ إن أي تصعيد واسع النطاق بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، وسلاسل الإمداد العالمية، ومعدلات التضخم، وهو ما يفرض على القاهرة التحرك بحس استراتيجي عالي، لحماية الاقتصاد الوطني من تداعيات لا تحتملها المنطقة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الراهنة.
وتستند هذه التحركات إلى فلسفة سياسية واضحة، مفادها أن الأمن القومي المصري لا ينفصل عن أمن الإقليم، وأن الاستقرار الإقليمي هو خط الدفاع الأول عن الدولة الوطنية ومن ثم، فإن الدور المصري في هذه اللحظة الحرجة لا يهدف فقط إلى حماية المصالح الذاتية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إنقاذ المنطقة بأسرها من سيناريوهات الفوضى الشاملة.
وتتميز المقاربة المصرية في التعامل مع التوتر الأمريكي الإيراني بقدر كبير من الواقعية السياسية، حيث تتجنب القاهرة الانخراط في سياسات المحاور أو الاصطفافات الحادة، وتتمسك بسياسة خارجية متوازنة، قائمة على تنويع الشراكات، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، بما يضمن لها هامش حركة واسع، وقدرة على المناورة في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.
ولا شك أن نجاح هذه المقاربة يعود في جانب كبير منه إلى امتلاك الدولة المصرية رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وقيادة سياسية واعية بطبيعة المرحلة، ومؤسسات دبلوماسية وأمنية محترفة، قادرة على إدارة الملفات المعقدة بكفاءة عالية، و منهج علمي رصين.
وفي قلب هذه العاصفة الدولية، تثبت مصر أنها دولة محورية لا يمكن تجاوزها في معادلات الاستقرار الإقليمي، فهي تتحرك بهدوء وثقة، دون ضجيج، لكنها تحدث أثرا حقيقيا في مسار الأحداث، عبر دبلوماسية نشطة، واتصالات مكثفة، ومواقف متزنة تحظى باحترام وتقدير المجتمع الدولي.
إن ما نشهده اليوم من تحركات مصرية فاعلة في ملف التوتر بين إيران والولايات المتحدة يعكس بوضوح كيف تدار الملفات الشائكة بعقل الدولة، لا بعاطفة اللحظة، ولا بردود الفعل الانفعالية، وهو ما يؤكد أن القاهرة تملك من الخبرة والرؤية ما يجعلها قادرة على عبور هذه المرحلة العصيبة، والمساهمة بفاعلية في إعادة بناء توازنات أكثر استقرارا في منطقة تموج بالصراعات.
وفي زمن تتساقط فيه الحسابات السطحية، وتنهار فيه سياسات المغامرة، تبرز مصر كدولة تعلي من شأن الحكمة، وتنتصر للعقل، وتثبت أن إدارة الأزمات الكبرى تحتاج إلى قيادة تعرف متى تتقدم، ومتى تناور، ومتى تصبر، ومتى تحسم، وهذه هي مدرسة الدولة المصرية في إدارة العواصف.