رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

"مارك سافايا"؛ الذي عيّنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبعوثًا خاصًا للعراق في أكتوبر الماضي لم يعد يشغل هذا المنصب؛ بهذه الكلمات المقتضبة أطاح الرئيس ترامب مبعوثه الخاص للعراق، وذلك بعد فشله في إثنـاء ترشيح السيد "نوري المالكي" لمنصب رئاسة الوزراء العراقية، وهي خطوة حذّر ترامب بغداد منها علنًا.

 

 وكان "سافايا" رجل الأعمال العراقي الأمريكي المسيحي من بين عدد قليل من الأمريكيين العرب الذين عيّنهم ترامب في مناصب عليا، والذي كثّف حملته الانتخابية خلال انتخابات الرئاسة عام 2024 لكسب أصوات العرب والمسلمين في ديترويت وعموم البلاد.

يأتي هذا القرار وسط تصاعد التوترات بين واشنطن وبغداد بسبب مساعي واشنطن للحد من النفوذ الإيراني في السياسة العراقية، والتي تتجه نحو الجارة الإيرانية في دعمها أمام التغوّلات الأمريكية.

وشكّل تعيين الرئيس الأمريكي لرجل الأعمال مارك سافايا مبعوثًا خاصًا إلى العراق نقطة تحوّل مثيرة في العلاقة الثنائية، فقد أثار هذا القرار نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والأمنية العراقية، حيث يُنظر إليه كدلالة على توجّه أمريكي جديد للتعامل المباشر مع الملف العراقي بعيدًا عن القنوات الدبلوماسية المعتادة. على جانب آخر، يرى مراقبون أن خلفية سافايا التجارية وولاءه السياسي وأصوله العراقية تمنحه مدخلًا مرنًا للمشهد العراقي المعقّد.

وكان سافايا، والذي حظي بثناء ترامب لدوره في حملته الانتخابية وفهمه للعلاقات الثنائية، قد اختلفت المواقف العراقية من هذا التعيين؛ ففي الوقت الذي رحّب رئيس الوزراء العراقي شياع السوداني بهذه الخطوة، كان هناك القيادي الكردي البارز "هوشيار زيباري" الذي اعتبرها اعترافًا أمريكيًا بأن الوضع في البلاد "غير طبيعي"، فوجود مبعوث خاص مباشر للرئيس الأمريكي "بعيدًا عن السياقات الدبلوماسية المعتادة" يشير إلى أن العراق يحتاج إلى قناة دبلوماسية خاصة ومباشرة بين الرئيس الأمريكي والحكومة العراقية والقنوات الرسمية والفاعلين السياسيين العراقيين، وهو ما اتسق مع تصريح للرئيس ترامب في شرم الشيخ، والذي تضمن أن "العراق لديه نفط ولكنه لا يستطيع إدارة شؤون أمواله ونفطه"، وهذا بحد ذاته مشكلة كبيرة عندما تملك الكثير ولا تعرف كيف تتصرف به، معتبرًا أن هذا التعيين يخدم رسائل متعددة.

أضف إلى ذلك النجاح الذي حققه سافايا في مهمة سابقة، وتحديدًا فك أسر الرهينة الروسية الإسرائيلية التي كانت مختطفة في بغداد، فضلًا عن كونه شخصية تجارية بعيدة عن العمل السياسي التقليدي لكنها تجيد التفاوض والتفاهم، مما يجعله مفتاحًا محتملًا للتفاوض مع قوى غير سياسية "بما في ذلك الميليشيات". ولهذا كانت هناك عدة مهام لسافايا، منها الحصول على العقود النفطية العراقية بإدخال الشركات الأمريكية، وتعزيز العلاقة الاستراتيجية في مجال النفط والغاز، فضلًا عن التأثير على القوى السياسية التابعة لإيران ومفاوضتها للتعامل معها مقابل انسحابها من "التبعية للخط الإيراني"، والحد من الامتداد الصيني في العراق.

ويبدو أن سافايا قد فشل في هذه المهام.
فقد أكد الإطار التنسيقي في العراق تمسكه بنوري المالكي مرشحًا لمنصب رئيس الوزراء، مؤكدًا أن عملية اختيار رئيس الحكومة "شأن سيادي" يرفض التدخلات الأجنبية. وشدّد التحالف على أن اختيار رئيس مجلس الوزراء هو "شأن دستوري عراقي خالص" يتم وفق آليات وطنية تراعي المصلحة العليا بعيدًا عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية، على الرغم من التحذيرات التي أطلقها ترامب ضد العراق في حال حدوث ذلك، والتي جاءت بأشكال وسياقات متنوعة. فقد كتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": "نسمع أن دولة العراق العظيمة قد تتخذ خيارًا (سيئًا للغاية) بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء".

وأضاف: "في آخر مرة كان المالكي في السلطة انحدرت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة، وينبغي عدم السماح بتكرّر ذلك".
واختتم قائلًا إنه "إذا توقفت واشنطن عن مساعدة العراق فلن يكون لديه أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية".

أضف إلى ذلك، وسبق أن دارت شكوك حول ما إذا كان «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الشيعي الأكبر في البلاد، والذي تلقّى إشارات اعتراض أمريكية على اسم المالكي قبل إعلان ترشيحه، أم أن موقف واشنطن تغيّر لاحقًا بعد ما تردّد عن «مباركة المرشد الإيراني علي خامنئي» لترشيحه.

وهو ما أكده زعيم تيار شيعي عندما تلقّى اتصالًا أمريكيًا لإبلاغه بأن واشنطن ترى في دعوة «الإطار التنسيقي» إلى تشكيل حكومة تباركها إيران خيارًا لا يراعي التحفّظات المحلية والإقليمية، ويعزّز الشكوك باستمرار النفوذ الإيراني في العراق، وهو ما يعرّض البلاد لمخاطر وعقوبات. وأضافت الرسالة: «سنعتبرها حكومة تحت سيطرة خبيثة، ومن حقنا عدم التعامل معها». وهو ما انسجم مع رواية أخرى للسيد شياع السوداني، رئيس حكومة تصريف الأعمال، والذي تلقّى هو الآخر مكالمة من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حذّر فيها من أن الحكومة التي تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تضع مصالح العراق في المقام الأول بنجاح أو تُبعد العراق عن الصراعات الإقليمية.

والسوداني، الذي سخّر نفوذه السياسي والحكومي من أجل الحصول على ولاية ثانية، في النهاية تنازل للمالكي ودافع عنه بوصفه «الرجل الأقوى»، لكن صفقة التنازل لا تزال غامضة. وتصاعد الحراك الأمريكي حين أبلغ المبعوث الأمريكي توم باراك رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني أن «حكومة تنصّبها إيران لن يُكتب لها النجاح بالنسبة لتطلعات العراقيين أو السوريين أو بالنسبة لشراكة فعالة مع الولايات المتحدة». وهو ما جعل الموقف الأمريكي المتصلّب، حينما سافر قياديان من الصف الثاني في الإطار إلى طهران، والتحق بهما قيادي بارز يقيم هناك، والتقى الثلاثة بمسؤولين إيرانيين لسؤالهم عما إذا كان المرشد بالفعل يدعم ترشيح المالكي، وحصلوا على رد مفاده: نبارك اتفاقكم، امضوا به واستعجلوا بذلك، ليس هناك وقت.

ويُعتقد أن الموقف الأمريكي الرافض لم يكن رافضًا لاسم المالكي قبل أن تظهر إلى العلن التحركات الإيرانية المباشرة داخل مطبخ تشكيل الحكومة ومباركة الاسم، والذي رصد مدى قدرة إيران على التعاون مع العراق من أجل كبح جماح أمريكا وضغوطها على إيران ومحور الممانعة في المنطقة. فواشنطن لم تكن لديها مشكلات مع أسماء المرشحين، لكنها في هذه الحالة ترى أن تشكيل حكومة إشكالية تُحسب على إيران في لحظة إقليمية حساسة قد تسبق تصعيدًا كبيرًا في المنطقة ضد إيران. فهذه التحركات الأمريكية تستهدف منع حكومة عراقية تعلن ولاءها السياسي لطهران، وإجبار القوى الشيعية على إنتاج تسوية أقل استفزازًا، وإيصال رسالة لإيران مفادها: "لا توسّع نفوذك بينما نفاوضك".

قد تكون إيران قد كسبت جولة من جولات الصدام غير المباشر مع أمريكا بترشيح المالكي، ولكن إرسال الصين العديد من التعزيزات العسكرية لها كان نقطة مفصلية في إزاحة سافايا من منصبه في ظل هذه التوترات الحادة بين الجانبين.

يُعتقد أن توم باراك، سفير الولايات المتحدة لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، والذي سافر إلى أربيل في وقت سابق من أجل لقاء قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد، سيتولى حقيبة العراق في وزارة الخارجية. فهل سيكون هذا الرجل الصاخب بديلًا لهذا الهادئ الذي لم يكد يُسمع صوته؟
هو الاختيار الأفضل لترامب في حل هذه المعضلة التي قد تؤثر بشكل أو بآخر على هندسة المشهد في الشرق الأوسط.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء