رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الإفتاء: تشخيص الأمراض بالذكاء الاصطناعي بدون طبيب حرام شرعًا

المفتي في ندوة دار
المفتي في ندوة دار الإفتاء

في إطار دورها العلمي والتوعوي، ومشاركتها الفاعلة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، نظمت دار الإفتاء المصرية، ندوة فكرية بجناحها، تحت عنوان: "الفتوى والصحة" تناولت العلاقة بين الفتوى والمسائل الطبية في ظل التطورات العلمية المتسارعة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، وذلك بحضور نخبة من كبار العلماء والمتخصصين في الطب والشريعة، وجمهور كبير من زوار المعرض.

وشارك في الندوة كل من الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، والدكتور عطا السنباطي، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، والدكتور فؤاد يونس، رئيس قسم القلب بمستشفى القوات الجوية، بحضور الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

جانب من الندوة 
جانب من الندوة 

لجوء الأفراد لأدوات الذكاء الاصطناعي بدلًا من الأطباء

وخلال الندوة، تناول الدكتور فؤاد يونس، ظاهرة لجوء بعض الأفراد إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بدلًا من الأطباء، محذرًا من أن هذا السلوك بات شائعًا داخل البيوت وبين الشباب، حيث يلجأ البعض فور شعوره بأي أعراض صحية إلى إدخالها في برامج الذكاء الاصطناعي والتعامل مع النتائج كما لو كانت تشخيصًا طبيًّا معتمدًا.

وأضاف أن هذا الأمر قد يكون له جانب إيجابي محدود، كقراءة تحليل أو تقرير طبي، لكنه في المقابل يحمل مخاطر جسيمة، أبرزها فقدان السرية الطبية، وغياب التعاطف الإنساني الذي يمثل جزءًا أساسيًّا من العلاج، فضلًا عن خطورة الاعتماد على تشخيص مبني على بيانات ناقصة أو وصف غير دقيق للأعراض.

وأكد أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل الطبيب، لأن التشخيص الطبي لا يعتمد فقط على الأعراض المكتوبة، بل على التاريخ المرضي الكامل، والفحص الإكلينيكي، ومهارة الطبيب في الربط بين المعطيات المختلفة.

ونبه أن بعض الأدوية التي قد يقترحها الذكاء الاصطناعي، قد تكون لها آثار عكسية خطيرة على المريض، متطرقًا إلى استخدام التقنيات الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، مثل الجراحات الروبوتية، موضحًا أنها أكثر دقة بالفعل، لكنها مرتفعة التكلفة ولا تزال غير متاحة على نطاق واسع، والأصل أن يقود الإنسان هذه التقنيات لا أن يخضع لها. 

الفتاوى غير المنضبطة في القضايا الطبية

 

وتطرق الحديث إلى خطورة الفتاوى غير المنضبطة في القضايا الطبية، حيث شدد رئيس قسم القلب بمستشفى القوات الجوية، على أن بعض الفتاوى الصادرة عن غير المختصين قد تشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، مستشهدًا بحالات مرضى مزمنين يتناولون أدوية للقلب أو الضغط أو السيولة، وقد يتعرضون لمضاعفات خطيرة إذا أُفْتُوا بالصيام أو بتغيير مواعيد العلاج دون فهم دقيق لحالتهم الطبية.

وأكد أن أي فتوى في هذا الإطار يجب أن تبنى على معرفة طبية دقيقة، وأن التكامل بين الطبيب والمفتي ضرورة لا غنى عنها.

العلاقة بين الفقه والطب

وبدوره، أكد الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، أن العلاقة بين الفقه والطب علاقة تكامل لا انفصال، وأن العلوم جميعها خادمة لبعضها البعض، وأنه لا يمكن تصور فتوى صحيحة في القضايا الطبية دون الرجوع إلى أهل الاختصاص، تنفيذًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

 

تعامل دار الإفتاء مع القضايا الطبية الحساسة

وفي مداخلة مهمة، أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن دار الإفتاء المصرية تتعامل مع القضايا الطبية الحساسة، بمنتهى الدقة والحذر، موضحًا أن هذه القضايا تناقش في لجان علمية ضمت أطباء وعلماء دين، وأن الإشكالية الأساسية كانت في التوصيف الطبي وليس في الحكم الشرعي ذاته، وأن عدم اتفاق الأطباء على تعريف قاطع لبعض القضايا الطبية مثل موت جذع المخ أو الموت الإكلينيكي وغيرها يجعل الفقيه غير قادر على إصدار فتوى بسلب حق الحياة، حتى مع وجود نسبة ضئيلة لاحتمال عودة المريض، انطلاقًا من مبدأ حرمة النفس الإنسانية وكرامتها.

ولفت إلى أن الفتوى تبنى على الرأي الطبي المعتبر، فإذا كان هذا الرأي غير مستقر أو محل خلاف، فإن التوقف والاحتياط يكونان أولى، مؤكدًا أن دار الإفتاء لا تنفصل عن الواقع العلمي، لكنها في الوقت ذاته تضع نصب عينيها مقاصد الشريعة وحفظ كرامة الإنسان.

دار الإفتاء من أوائل المؤسسات الدينية التي تنبهت لقضية الذكاء الاصطناعي

ومن جانبه قال الدكتور حازم داود، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، مدير الندوة، إن دار الإفتاء كانت من أوائل المؤسسات الدينية التي تنبهت مبكرًا لقضية الذكاء الاصطناعي وتأثيره في مجال الفتوى، موضحًا أن الدار نظمت مؤتمرًا علميًّا موسعًا بعنوان "المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي"، ناقش كيفية التعامل المسؤول مع هذا الوافد الجديد، وحدود الاستفادة منه، ومخاطر الاعتماد غير المنضبط عليه في القضايا الشرعية الحساسة.

وأردف أن أعمال هذا المؤتمر صدرت في خمسة مجلدات علمية كاملة، متاحة للجمهور في جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وتتناول بصورة تفصيلية آليات توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة، لا بديلًا عن المفتي المؤهل، مع التشديد على ضرورة بقاء العنصر الإنساني والعلمي حاضرًا في صناعة الفتوى، مؤكدًا أن دار الإفتاء المصرية تنطلق في تعاملها مع المستجدات التكنولوجية من مبدأ المسؤولية الشرعية والعلمية، وأن الذكاء الاصطناعي لا يجوز اللجوء إليه في الإفتاء بشكل منفرد أو غير منضبط، لما يفتقده من مهارات التحقيق، وفهم السياق، ومراعاة الفروق الفردية، والقدرة على الربط بين الجوانب النفسية والاجتماعية والطبية للسائل.

وقد شهدت الندوة تفاعلًا كبيرًا من الجمهور، حيث طرحت العديد من الأسئلة حول دور الذكاء الاصطناعي في الفتوى، كما أشاد المشاركون بالدور الرائد الذي تقوم به دار الإفتاء المصرية في مواكبة القضايا المعاصرة، والتعامل معها برؤية علمية شرعية متكاملة، مؤكدين أهمية استمرار هذه الندوات التوعوية، التي تسهم في رفع وعي المجتمع، وترسيخ ثقافة الرجوع إلى أهل الاختصاص، تحقيقًا لمقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والدين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء