استشاري نفسي: السوشيال ميديا تزرع الاكتئاب وتشوّه وعي الأطفال| حوار
لم تعد المخاطر التي تحاصر الأطفال خفية أو بعيدة بل أصبحت قريبة منهم وتلازمهم في جميع الأوقات وتسكن هواتفهم المحمولة وترافقهم لساعات طويلة دون رقابة أو وعي من الأسرة التي أصبحت هي الأخرى تحتاج لنصيحة.
وبين لعبة إلكترونية جذابة ومنصة تواصل غير خاضعة للرقابة، تتشكل ملامح جيل جديد يعاني الإرهاق النفسي وتراجع التركيز والعزلة الاجتماعية في صمت، كما أن الإفراط في استخدام الألعاب والسوشيال ميديا لم يعد مجرد سلوك ترفيهي بل بوابة مبكرة للإدمان السلوكي واضطرابات نفسية تهدد مستقبل الطفولة.
وفي هذا الحوار، يطلق الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، عبر "إيجبتك" ناقوس الخطر، كاشفًا عن تأثيرات نفسية خطيرة تطال الأطفال والمراهقين، داعيًا إلى تدخل عاجل يعيد التوازن بين العالم الرقمي وبناء الإنسان. وإلى نص الحوار.
انتشرت مؤخراً دراسات تربط بين استخدام الهواتف وصحة الدماغ لدى الأطفال، ما مدى صحة ذلك؟
نعم، الأمر خطير جداً. هناك دراسات حديثة أُجريت في الصين باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي على أطفال لا يتجاوزون سن العاشرة ممن يقضون فترات طويلة على الموبايلات، والنتيجة كانت صادمة، حيث أظهرت خلايا المخ لديهم علامات شيخوخة تشبه أدمغة أشخاص في سن الخمسين، لكن من رحمة الله أن هذه الحالة تتحسن بشكل ملحوظ إذا انقطع الطفل عن الموبايل لمدة أسبوعين فقط.
وما التأثيرات النفسية والسلوكية التي تلاحظونها على هؤلاء الأطفال؟
نلاحظ تراجعاً حاداً في الوظائف الذهنية مثل الانتباه، التركيز، والذاكرة، مما يؤدي لسوء التحصيل الدراسي. كما يميل الطفل للعصبية غير المبررة والانسحاب من المجتمع، ووخطورة الأمر تكمن في أن الهرمونات مثل "الدوبامين" و"الإندورفين" لا ترتفع لديهم إلا أثناء استخدام الهاتف، مما يخلق حالة من الإدمان تجعل الطفل يشعر بالإجهاد والتعصب بمجرد تركه للجهاز.
نلاحظ أن الأطفال أصبحوا يجادلون في قضايا شائكة مثل الإلحاد والمثلية، كيف تفسر ذلك؟
هذا ما نسميه "المثقف الجاهل"، الطفل يتلقى محتوى رقمياً أكبر من طاقته الاستيعابية وخبراته الحياتية. يكتسب معلومة سطحية بخصوص الإلحاد أو المثلية دون أن يمتلك الخلفية الفكرية للدفاع عنها، فيتحول إلى شخص "جدلي" ومنفعل، ويصطدم مع أهله ومعايير مجتمعه نتيجة هذه الازدواجية الفكرية.
هل تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على الحالة المزاجية للنشء؟
بكل تأكيد. منصات مثل "فيسبوك" تسبب الاكتئاب والقلق نتيجة المقارنات المستمرة. الطفل يرى صوراً لأقرانه وهم في أفضل حالاتهم، فيبدأ بالهجوم عليهم أو يشعر بالدونية وعدم الرضا عن حياته، وهذا الضغط النفسي مع تراجع هرمونات السعادة يولد شعوراً دائماً بالتعب.
ما النصيحة التي توجهها للأهالي للتعامل مع هذا الواقع؟
أنا ضد المنع المطلق وضد الإفراط وأيضاً ضد الرقابة الصارمة المنفرة. الحل هو "المصاحبة". يجب أن نتقرب من أولادنا، نبني ثقتهم بأنفسهم، ونشعرهم بالأمان العاطفي. عندما تكون العلاقة قوية، سيلجأ الطفل لوالده أو والدته ليسأل عما يراه من محتوى غريب بدلاً من الانعزال به.
ما الدور المطلوب من المدرسة في هذه الأزمة؟
للأسف المدرسة افتقدت دورها التربوي واكتفت بالجانب الدراسي فقط، الطفل يحتاج إلى عاطفة واحتواء وتنمية لمواهبه الإبداعية بقدر حاجته للعلم وغياب هذا الدور يجعل المدرسة مجرد "مخزن معلومات" ينتهي مفعولها بانتهاء الامتحان، بينما نحتاج لمؤسسة تبني الشخصية وتحميها من الانجراف وراء العالم الافتراضي.