خبير سياسي: إيران «كلمة السر» في تسريبات «إبستن» |خاص
أثارت قضية الممول الأمريكي جيفيري إبستين، الجدل عالميًا في الأونة الأخيرة بعدما تم إعادة فتح هذا الملف مرة أخرى وتسريب أكثر من 3 ملايين وثيقة، وصور، ومقاطع فيديو، ورسائل إلكترونية، من قبل وزارة العدل الأمريكية؛ إذ تتضمن أكبر وأبرز المسؤولين في العالم بمختلف الجنسيات والدول؛ لاتهامهم في قضايا جنسية واغتصاب أطفال قاصرات وقتلهم وبيع أعضائهم.
وقال إسماعيل ترك، خبير مركز الأهرام للدراسات السياسية، في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»، إن قضية جيفري إبستين تجاوزت كونها مجرد قضية جنائية تتعلق بجرائم أخلاقية فردية؛ لتتحول إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا حين تتقاطع السياسة بالمال برجال المخابرات، وتتورط فيها شخصيات من الصف الأول علي مستوي العالم، فحجم الأسماء التي ارتبطت بالقضية، وطبيعة الشبكات العابرة للحدود التي كشفتها، جعلا منها ما يشبه الصندوق الأسود داخل النظام الدولي، يتم غلقه أو يُعاد فتحه وفق الأحداث السياسية، لا وفق منطق العدالة.

إعادة فتح قضية إبستين «صدفة أم مدبر»
وعند التعليق علي توقيت نشر القضية الذي يأتي بالتزامن مع شن هجمات عسكرية أمريكية ضد إيران، وقال: دائمًا ما نؤكد علي أن لا شيء يحدث صدفة في عالم السياسة فإعادة تسليط الضوء على قضية إبستين في لحظة تتسم بتصاعد الاستقطاب داخل الولايات المتحدة، وتزامنها مع توترات إقليمية حادة في الشرق الأوسط، ومواجهة مرتقبة مع إيران، يفتح الباب أمام تساؤلات عن الأهداف من وراء تسريب هذا الكم من الوثائق والمعلومات في هذا التوقيت تحديدًا الخبرة التاريخية.
وتابع «ترك»، أن الفضائح الكبرى تؤكد كثيرًا ما استخدمت؛ لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي أو لتشتيت الرأي العام عن قضايا كبري مثل الدخان للتغطية علي ما هو أبعد، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية، ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة قضية إبستين كأداة ضغط غير مباشرة على النخب وصنّاع القرار، تُستخدم لتوجيه السلوك السياسي أو فرض مسارات بعينها في ملفات شديدة الحساسية.
وأضاف: أنه لا يمكن فهم أبعاد هذه القضية دون استحضار منطق السياسة الواقعية حيث تُدار العلاقات الدولية وفق توازنات المصالح والقوة، لا وفق المعايير الأخلاقية المعلنة، وفي هذا الإطار يُعد استغلال نقاط الضعف الشخصية أحد أكثر أدوات التأثير فاعلية في توجيه القرار السياسي، خصوصًا داخل النظم الديمقراطية التي تتأثر بشدة بالإعلام والرأي العام.

وأوضح، أنه من هنا، يُنظر إلى قضية إبستين باعتبارها مخزونًا استراتيجيًا لأدوات الضغط، يمكن تفعيله عند الحاجة لتحييد شخصيات نافذة أو تليين مواقف سياسية، لاسيما في ملفات كبرى مثل الصراع مع إيران أو مستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، حيث حملت الوثائق اتهامات مباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقد يأتي ذلك ضمن ضغطه المستمر علي إسرائيل مؤخرًا؛ لتنفيذ بنود اتفاق السلام ودفعه لتوجيه ضربة عسكرية إلي إيران.
هل إسرائيل لها دور في تسريب وثائق متعلقة بقضية إبستين؟
أما بالنسبة لدور إسرائيل في إعادة فتح قضية إبستين للأضواء مرة أخرى كما يتم تداوله في الأونة الأخيرة على مختلف المنصات الإعلامية والإخبارية، قال «ترك»: فهي فرضية تُعد أحد المستفيدين الرئيسيين من بقاء هذا «الصندوق الأسود» مفتوح وقابل للاستخدام لا تقوم هذه الفرضية على اتهام مباشر، بقدر ما تستند إلى قراءات تحليلية لمسارات معروفة في العمل الاستخباراتي.
وواصل الخبير السياسي حديثه، أن الخيط الأكثر وضوح في هذا الربط يتمثل في شخصية جيسلين ماكسويل، الشريكة المقربة للممول الأمريكي إبستين، وابنة روبرت ماكسويل، قطب الإعلام البريطاني الذي كُشف بعد وفاته عن علاقات وثيقة جمعته بالاستخبارات الإسرائيلية، والجنازة شبه الرسمية التي أقيمت له في إسرائيل، بحضور كبار القادة السياسيين والأمنيين، وما قيل عن «خدمات قدمها لدولة الاحتلال لم يُسمح بنشرها»، تعزز من فرضية وجود إرث استخباراتي انتقل عبر هذه الشبكة.

واستكمل: أنه وفق هذا المنظور التحليلي، لا يُنظر إلى أنشطة إبستين بوصفها انحرافات شخصية فقط، بل كجزء من عملية جمع معلومات ممنهجة عن نخب سياسية واقتصادية، تُستخدم لاحقًا كأدوات ضغط أو ابتزاز سياسي، بما يضمن وجود أوراق تأثير على دوائر صنع القرار في واشنطن ولندن، حيث تعتمد إسرائيل بشكل جوهري على الدعم الأمريكي غير المشروط، ووجود ملفات حساسة تطال شخصيات نافذة داخل المؤسسة السياسية الأمريكية يمكن أن يشكل من منظور واقعي، أداة ردع ناعمة تضمن عدم اتخاذ قرارات تتعارض مع المصالح الإسرائيلية العليا.
كما أشار إلى، أنه في هذا السياق يصبح «الصندوق الأسود» وسيلة لضمان الولاء الاستراتيجي أو على الأقل تحييد أي توجهات سياسية قد تميل إلى إعادة التوازن في ملفات الشرق الأوسط.
واختتم الخبير السياسي حديثه، قائلًا: إن الرسالة الأبرز التي يحملها إحياء هذا الملف، هي أن الحصانة السياسية ليست مطلقة فبقاء بعض الملفات في الظل مشروط بالالتزام بقواعد غير مكتوبة، تتعلق بعدم تجاوز الخطوط الحمراء في القضايا الاستراتيجية الكبرى، كما أن زج أسماء من مناطق مختلفة، بما في ذلك العالم العربي، حتى في غياب إثباتات قاطعة، يحمل رسالة ردع تهدف إلى إضعاف أي أدوار مستقلة في الوساطة أو التهدئة.