السؤال الذي يفرض نفسه على العالم الآن؛ هل توجه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران، وهل تكون تلك الضربة شاملة ومن القوة لأن تُسقط النظام الإيراني القائم منذ 1979، أم تكون ضربة جزئية تستكمل ما بدأ من استهداف للبرنامج النووي والصاروخي في حرب الاثني عشر يومًا.
التحشيد العسكري الأمريكي جوًّا، وبحرًا، مع تصعيد سياسي وإعلامي ضد طهران، كلها مؤشرات تقول إننا بصدد ضربة وشيكة لطهران. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرى أن هذه اللحظة تمثل فرصة للضغط على إيران التي ترزح تحت حِملٍ ثقيل وظرف قاسٍ، في سياق ضغوط اقتصادية، وأوضاع اجتماعية واحتجاجية متأججة، ولكن...
إيران ليست دولة هشة قابلة للانهيار السريع، وبعد أكثر من 47 عامًا من الثورة الإسلامية، باتت مؤسسات الجمهورية الإسلامية راسخة بعمق في المجتمع الإيراني، خاصة مع ارتكازها إلى أسس عقائدية وأيديولوجية. والعقيدة العسكرية والأمنية والسياسية لطهران منذ 1979 مصممة على أساس البقاء والصمود في مواجهة أي هجوم، وأية ضغوط. والضغط العسكري قد يأتي بنتائج عكسية سياسيًّا.
فعلى الرغم من حالة الضغط الداخلي الكبير، أثبت النظام الإيراني مرارًا وتكرارًا قدرته على حشد وتعبئة المشاعر القومية ردًّا على التهديدات الخارجية. وقد يُعزز العمل العسكري التماسك الداخلي، ويُرسخ رواية النظام عن المقاومة، ويُهمّش حركات المعارضة.
والمقارنات مع إسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003 مضللة. فإيران أكبر حجمًا، وأكثر اكتظاظًا بالسكان، وأكثر تماسكًا داخليًّا، وأكثر استعدادًا عسكريًّا بكثير لمواجهة طويلة الأمد. ولن يُمثّل الهجوم على الأراضي الإيرانية بداية انهيار النظام، بل المرحلة الأخيرة من استراتيجية دفاعية مُصمّمة خصيصًا لمواجهة هذا السيناريو. ستكون طهران مُستعدة لتحمّل الخسائر، وقادرة على إلحاقها في جبهات متعددة، بما في ذلك العراق، والخليج، واليمن، وغيرها.
لذلك؛ هذه الضربة إن حدثت، ونتج عنها سقوط النظام في طهران، ستكون لها عواقب وتداعيات وخيمة على المنطقة، ستكون بمثابة زلزال جيوسياسي، والتداعيات أخطر من أن يمكن اختصارها وحصرها في غلق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، واضطراب حركة الملاحة في الممرات البحرية في البحر الأحمر، أو حتى أن تتحول إيران إلى نقطة جديدة للإرهاب العابر للحدود، لكنه هذه المرة سوف يكون "إرهابًا شيعيًّا".
الخطر الأكبر هنا يتمثل في اختلال موازين وتوازنات القوى الأمنية القائمة منذ عقود، وسواء تتفق أو تختلف مع طبيعة النظام في إيران، ومع ممارساته في بعض الأوقات، إلا أنه كان يشكل مع الدول المركزية في الإقليم نقطة توازن في مواجهة الطموحات التوسعية الإسرائيلية في المنطقة.
وبغض النظر عما إذا كان تغيير النظام سيتبع تلك الضربة أم لا، فإن أي عمل عسكري أمريكي سوف يحمل آثارًا عميقة على الانتشار العالمي للأسلحة النووية، وعلى عكس ما تروج واشنطن من أنه سوف يمثل رسالة ردع لكل من تسول له نفسه امتلاك قدرات نووية.
فالضربة الأمريكية قد تكون أكبر محفز للانتشار النووي بدلًا من كبحه. والتاريخ على مدى العقود الثلاثة الماضية يقدم هنا عدة دلائل على تلك المعضلة الدولية الكلاسيكية؛ ليبيا تخلت عن طموحها النووي عام 2003 مقابل تطبيع العلاقات مع الغرب. ومع ذلك، وبعد ثماني سنوات فقط، أدت غارات جوية شنها حلف الناتو لدعم الثوار الليبيين إلى القبض على معمر القذافي وقتله وإسقاط نظامه.
أوكرانيا هي الأخرى تخلّت عن ترسانتها النووية عام 1994 مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا. ومع ذلك، وبعد عشرين عامًا، في عام 2014، ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم، قبل أن تشن غزوًا شاملًا عام 2022.
والآن تنضم إيران إلى القائمة؛ فقد مارست طهران ضبط النفس عند مستوى العتبة النووية، ومع ذلك تعرضت لهجوم أمريكي إسرائيلي عام 2025، وتواجه الآن خطر ضربة متابعة محتملة. كل هذه الشواهد والسوابق التاريخية تقول إنه إذا كان التخلي عن البرنامج النووي يؤدي إلى تغيير النظام، والتخلي عن الأسلحة يؤدي إلى الغزو، والبقاء على عتبة الخطر يدعو إلى ضربات عسكرية، فإن المنطق يقول إن الردع لا يتحقق حقًّا إلا من خلال امتلاك الأسلحة النووية، وليس عن طريق التفاوض على التخلي عنها أو وقف التطوير قبل اكتماله. لذلك أتصور أنه إذا نجت القيادة الإيرانية من أي هجوم أمريكي، فأعتقد أنها ستضاعف جهودها في برنامج الأسلحة الإيراني بشكل شبه مؤكد ضمانًا للردع.
وتوجيه ضربة أمريكية جديدة لإيران لن يطمئن حلفاء واشنطن في الخليج، بل قد يزعزع استقرارهم. فقد نُفذت الضربات الأمريكية على إيران في يونيو 2025 لحماية إسرائيل، لا دول الخليج، وزعزعة الاستقرار الإقليمي ليس في صالح الجميع، لذلك كان صوت العقل والحكمة المصري السعودي في رفض أي عمل عسكري، ومساعي الوساطة بين الطرفين، فالنار المشتعلة أساسًا لا تريد المزيد من البنزين.