«خبراء»: الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزا عن نقل المجاز والاستعارة
أقيمت ندوة بعنوان «الذكاء الاصطناعي والترجمة الأدبية»، أدارَتها كرمة سامي، الرئيس السابق للمركز القومي للترجمة، وناقشت تأثير التقنيات الحديثة على مستقبل الترجمة والإبداع اللغوي، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب.
أكد الدكتور حسين محمود، الناقد والمترجم، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مؤثرة في مجالي التأليف والترجمة، مشيرًا إلى أن التعامل معه لم يعد ترفًا معرفيًا، بل ضرورة يفرضها الواقع الأكاديمي والتطور التكنولوجي المتسارع.
وأوضح أن هذه التقنيات تسهم في تسريع عمليات الكتابة والترجمة، وتقديم مقترحات لغوية وأسلوبية متعددة، لكنها تظل أدوات مساعدة لا يمكن الاعتماد عليها بصورة كاملة دون وعي نقدي.
وشدد محمود على أهمية تدريب الطلاب على الاستخدام الواعي للذكاء الاصطناعي، من خلال التحقق من دقة المحتوى ومراجعته وإعادة صياغته بأسلوبهم الخاص، مؤكدًا أن الدور الأساسي للإنسان يظل قائمًا في التحليل والتقييم والإضافة، بما يضمن توظيف الذكاء الاصطناعي كوسيلة داعمة لا بديلًا عن الإبداع البشري.
من جانبه، أشار الدكتور عبد الرازق عيد، الناقد والمترجم، إلى أن الترجمة الأدبية تعد من أكثر مجالات الترجمة تعقيدًا، نظرًا لاعتمادها على إعادة خلق النص فنيًا داخل ثقافة جديدة، مع الحفاظ على روحه الجمالية وأبعاده الإنسانية.
وأوضح أن النصوص الأدبية، مثل الرواية والشعر والمسرح، تقوم على الأسلوب والإيقاع واللغة البلاغية والحس الثقافي، وهي عناصر لا يمكن التعامل معها آليًا أو حرفيًا.
وأكد عيد أن الذكاء الاصطناعي، رغم تطوره الكبير، لا يزال عاجزًا عن نقل المجاز والاستعارة واللعب اللغوي والحمولة الثقافية العميقة للنصوص، معتبرًا أن الفهم الإنساني للسياق والمعنى الشعوري هو الفارق الجوهري بين المترجم البشري والآلي.
وأضاف أن المترجم الإنساني يمتلك ذائقة فنية وحسًا أدبيًا يتيحان له إعادة صياغة النصوص بروح إبداعية، في حين يعتمد الذكاء الاصطناعي على البيانات والأنماط دون إدراك حقيقي للأبعاد النفسية والثقافية للنص.
ورأى أن المستقبل لا يقوم على صراع بين الإنسان والآلة، بل على شراكة واعية، يكون فيها الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لتسريع المراحل الأولية للترجمة، مع بقاء الدور الحاسم للمترجم الإنساني في التحرير والتدقيق وإضفاء الجماليات الأدبية.
وحذر من الخطر الثقافي المتمثل في تراجع الذائقة الأدبية وقبول النصوص الآلية السطحية على حساب الترجمة الإبداعية، مؤكدًا أن التهديد الحقيقي لا يكمن في الآلة، بل في تراجع تقدير الإنسان لقيمة الإبداع الفني.
بدوره، تحدث الدكتور محمد لبيب، الخبير في حوسبة اللغة، عن العلاقة المتنامية بين اللغة والذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أنها تشهد تحديات متزايدة مع الاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية في إنتاج النصوص وترجمتها.
وأوضح أن هذه التقنيات، رغم سرعتها وقدرتها على معالجة كميات ضخمة من البيانات، تواجه صعوبات حقيقية في فهم السياق الثقافي والبعد الإنساني للغة، خاصة في النصوص الأدبية التي تعتمد على المجاز والرمزية وتعدد الدلالات.
وأشار لبيب إلى أن الذكاء الاصطناعي فتح في المقابل آفاقًا اقتصادية واسعة في مجالات الترجمة وصناعة المحتوى والتعليم والإعلام، وأسهم في خفض التكاليف وزيادة الإنتاجية وخلق أنماط جديدة من سوق العمل اللغوي، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين العائد الاقتصادي والحفاظ على القيمة الجمالية والمعرفية للغة.
ودعا إلى تنفيذ مبادرات لتأسيس جيل من الباحثين المتخصصين في «اللسانيات الحاسوبية»، معتبرًا أن وجود كوادر متخصصة في هذا المجال يمثل ركيزة أساسية لدعم توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة اللغات الطبيعية ومعالجتها مستقبلًا.