في لحظة تاريخية فارقة تكشف عن إفلاس أخلاقي وقانوني غير مسبوق للنظام الدولي، يستمر قتل المدنيين في قطاع غزة أمام صمت مطبق من مجلس الأمن الدولي الذي تحول إلى مجلس مشلول مجرد شاهد زور على جريمة إبادة جماعية ترتكب في وضح النهار، ما يحدث في غزة ليس مجرد استمرار للعدوان، بل هو تأكيد صارخ على أن القانون الدولي أصبح أداة انتقائية تُطبق على الضعفاء وتُتجاهل للأقوياء وحلفائهم.
اليوم، كما في كل يوم منذ أشهر، سقط عشرات الشهداء من المدنيين الفلسطينيين تحت القصف الإسرائيلي الهمجي، أطفال تحولوا إلى أشلاء، ونساء دُفنّ تحت الركام، وعائلات كاملة مُحيت من السجل المدني، المستشفيات التي لا تزال قائمة تعمل بنصف طاقتها أو أقل، والأطباء يجرون العمليات الجراحية على ضوء الهواتف المحمولة، والجرحى ينزفون حتى الموت لنقص الأدوية والمعدات الطبية.
الأرقام تتحدث عن عشرات الآلاف من الشهداء، غالبيتهم من النساء والأطفال، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين، وأكثر من مليون ونصف نازح يعيشون في ظروف لا إنسانية تحت خيام بالية في برد الشتاء القارس، لكن هذه الأرقام المفزعة لم تحرك ساكناً في مجلس الأمن الدولي الذي أصبح بلا فائدة.
مجلس الأمن الدولي، الذي أُنشئ بموجب ميثاق الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الدوليين، تحول إلى أداة للحماية الأمريكية لإسرائيل من أي محاسبة، الولايات المتحدة استخدمت الفيتو عشرات المرات لمنع أي قرار يدين إسرائيل أو يطالبها بوقف العدوان أو يفرض عليها عقوبات، هذا الاستخدام المفرط والمسيّس للفيتو يقوض الشرعية القانونية والأخلاقية لمجلس الأمن ويجعله جزءاً من المشكلة وليس الحل.
الآليات الدولية للحماية الإنسانية، التي بُنيت على دروس المحرقة والإبادات الجماعية في القرن العشرين، أصبحت مجرد حبر على ورق عندما يتعلق الأمر بفلسطين وإسرائيل.
وفي الوقت الذي تستمر فيه المذبحة في غزة، تصعّد الولايات المتحدة تهديداتها لإيران، وتحشد قواتها العسكرية في الخليج، وترسل حاملات الطائرات وتستعد لضربة عسكرية قد تشعل المنطقة بأسرها، هذه التهديدات ليست معزولة عن الأحداث في غزة، بل هي جزء من استراتيجية أمريكية إسرائيلية لتوسيع دائرة الصراع وجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
إيران أصبحت الهدف الأمريكي الرئيسي، واشنطن تحاول تصوير إيران على أنها مصدر التهديد في المنطقة، متجاهلة أن الاحتلال الإسرائيلي والعدوان على غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية هي الأسباب الحقيقية لعدم الاستقرار، التهديدات الأمريكية لإيران تنتهك القانون الدولي الذي يحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها في العلاقات الدولية، لكن من يجرؤ على محاسبة أمريكا؟
وفي مواجهة التصعيد الأمريكي والغربي، تقوم الصين وروسيا وإيران بمناورات عسكرية مشتركة ترسل رسائل واضحة بأن العالم لم يعد أحادي القطبية، وأن هناك قوى كبرى مستعدة للتصدي للهيمنة الأمريكية، هذه المناورات، سواء في بحر الصين الجنوبي أو في المحيط الهندي أو بالقرب من الخليج العربي، تعكس تحالفاً استراتيجياً متنامياً بين هذه الدول التي تشعر بأنها مستهدفة من الغرب.
لكن هذه المناورات، رغم أهميتها الاستراتيجية، تحمل أيضاً خطر الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة بين القوى الكبرى، التوترات المتصاعدة في أوكرانيا، وفي تايوان، وفي الشرق الأوسط، وفي شبه الجزيرة الكورية، كلها بؤر محتملة لاشتعال حرب عالمية ثالثة قد تكون نووية هذه المرة، مما يعني نهاية الحضارة الإنسانية كما نعرفها.
العالم اليوم يقف على حافة الهاوية، كل المؤشرات تدل على أننا نعيش لحظة تشبه إلى حد كبير الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى والثانية، فالتحالفات العسكرية المتصارعة، والسباق نحو التسلح، وتصاعد الخطاب القومي المتطرف، وانهيار الثقة في المؤسسات الدولية، وتزايد الصراعات الإقليمية، وتراجع الاقتصاد العالمي، كلها عوامل كانت حاضرة قبل الحروب العالمية السابقة.
الفرق اليوم هو أن الأسلحة أكثر تدميراً، والعالم أكثر ترابطاً، وأي حرب كبرى ستكون كارثية على البشرية جمعاء، لكن القادة السياسيين في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، يبدون أنهم مستعدون للمخاطرة بمستقبل البشرية من أجل الحفاظ على هيمنتهم وحماية مصالحهم الاستراتيجية.
يجب التركيز علي أن ما يحدث في غزة ليس مجرد قضية إقليمية محدودة، بل هو المحور الأخلاقي والقانوني للصراع العالمي الدائر اليوم، كيف يتعامل العالم مع المأساة في غزة يكشف عن طبيعة النظام الدولي الحالي وعن مصداقية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والقانون الدولي والديمقراطية.
الصمت الغربي، بل الدعم الفعلي للعدوان الإسرائيلي، يهدم كل الادعاءات الأخلاقية التي بنى عليها الغرب نفوذه بعد الحرب العالمية الثانية، كيف يمكن للغرب أن يحاضر العالم عن حقوق الإنسان بينما يدعم إبادة جماعية في غزة؟ كيف يمكنه أن يطالب الآخرين باحترام القانون الدولي بينما يحمي إسرائيل من أي محاسبة؟ كيف يمكنه أن يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما يسكت عن قتل الأطفال والنساء في وضح النهار؟
العالم اليوم في حاجة ماسة إلى صحوة ضمير قبل أن يكون الأوان قد فات، المطلوب ليس مجرد بيانات إدانة أو دعوات خجولة لوقف إطلاق النار، بل خطوات فعلية وجادة لوقف المذبحة في غزة ومحاسبة المجرمين وإعادة بناء النظام الدولي على أسس العدل والقانون وليس على منطق القوة والهيمنة.
الدول العربية والإسلامية مطالبة بموقف تاريخي يتجاوز التصريحات الدبلوماسية إلى خطوات عملية تضغط على المجتمع الدولي لوقف العدوان.. الشعوب حول العالم، التي خرجت بالملايين تضامناً مع غزة، مطالبة بمواصلة الضغط على حكوماتها لتغيير سياساتها.. المثقفون والأكاديميون والإعلاميون مطالبون بكشف الحقائق وفضح النفاق الغربي ودعم القضية الفلسطينية العادلة.
العالم اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العدالة والقانون الدولي والسلام العادل، أو الفوضى والحروب والدمار الشامل، فما يحدث في غزة هو اختبار حقيقي للإنسانية: هل لا تزال هناك قيم إنسانية جامعة تحكم العلاقات الدولية؟ هل لا يزال القانون الدولي يعني شيئاً؟ هل لا تزال الأمم المتحدة قادرة على حفظ السلم والأمن الدوليين؟
الإجابات على هذه الأسئلة ستحدد مستقبل البشرية، إذا استمر الصمت الدولي والعجز عن وقف المذبحة في غزة، فإن رسالة واضحة ستُرسل إلى العالم: القوة هي الحق، والضعيف لا يُرحم، والقانون الدولي مجرد خدعة لتبرير هيمنة الأقوياء، وفي هذه الحالة، فإن الحرب العالمية الثالثة لن تكون مجرد احتمال، بل ستكون نتيجة حتمية لانهيار النظام الدولي القائم على العدل والقانون.
غزة اليوم تُذبح، والعالم يشاهد، والتاريخ سيسجل أن البشرية، في أحلك لحظاتها، اختارت الصمت على الصرخة، والجبن على الشجاعة، والمصلحة على المبدأ، ولن يغفر التاريخ لمن صمت، ولن تغفر الأجيال القادمة لمن تخاذل، ولن يغفر الله لمن شارك في الجريمة أو تستر عليها أو صمت عنها.