رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تُعد الضربة العسكرية المحتملة ضد الأهداف الحيوية والسيادية الإيرانية –سواء كانت جراحية أو شاملة– نقطة تحول تاريخية لن تتوقف آثارها عند حدود طهران، بل ستعيد رسم خارطة التوازنات التي استقرت لعقود.

 

 فإذا ما انتقلنا بمخيلتنا إلى "اليوم التالي" لهذه المواجهة، سنجد أننا أمام إقليم ونظام دولي جديدين كلياً، حيث تبرز التبعة الأولى والأخطر متمثلة في "الفراغ الأمني" الكبير.

 

 ففي حال تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني نتيجة ضربة تنهك قدرات الدولة ومؤسساتها العسكرية، سنشهد صراعاً محموماً لملء هذا الفراغ، ومحاولات دؤوبة من قوى إقليمية ودولية لإعادة تموضعها في ظل موازين قوى منكسرة.

 


هذا التحول سيمتد مباشرة إلى ما يُعرف بـ "محور المقاومة"، حيث ستجد الفصائل الموالية لإيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن نفسها أمام خيارات وجودية صعبة؛ فإما الذهاب نحو التصعيد الانتحاري لفرض معادلة ردع جديدة تعوض غياب المركز، أو القبول بالتآكل التدريجي والتحول إلى لاعبين محليين يبحثون عن صفقات بقاء مع القوى الإقليمية الصاعدة.

 

 وفي المقابل، سيتأكد لدول الخليج أن الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية التقليدية لم يعد كافياً، مما قد يعجل بولادة "ناتو إقليمي" مصغر أو تحالفات دفاعية وظيفية تجمع بين دول عربية وقوى تكنولوجية لمواجهة أي ردود فعل انتقامية غير تقليدية قد تنفجر في المنطقة نتيجة استهداف العمق الإيراني.

 


وعلى صعيد الاقتصاد العالمي، لن تمر الضربة دون اهتزازات عنيفة تضرب أسواق الطاقة في مقتل. فالاستشراف المستقبلي يشير إلى أن مضيق هرمز سيتحول من ممر ملاحي حيوي إلى "ساحة ألغام" سياسية وعسكرية. وحتى لو لم تنجح إيران في إغلاقه تماماً، فإن مجرد الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين والمخاطر سيؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار النفط، مما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي قارس. 

 

هذا الضغط الاقتصادي سيسرع من وتيرة التحول الغربي نحو الطاقة البديلة لتقليل الارتهان لتقلبات الشرق الأوسط، مما يغير معادلة الطاقة الدولية على المدى الطويل.
أما على المسرح الدولي، فستكون الضربة بمثابة اختبار حاسم وصادم لنفوذ القوى العظمى، حيث ستستغل موسكو وبكين هذا التحرك لتعزيز سرديتهما حول "العدوانية الأمريكية" وتهديد السلم الدولي.

 

 وبينما قد تتحرك الصين لتعويض النفوذ الإيراني المنحسر اقتصادياً لضمان تدفق مواردها، قد تجد روسيا في اضطراب الشرق الأوسط فرصة ذهبية لتخفيف الضغط العسكري والسياسي عن جبهتها في أوكرانيا، مما يحول المنطقة إلى ورقة مقايضة في صراع الأقطاب الكبرى الذي يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية.

 


علاوة على ذلك، ستتعمق أزمة الثقة في المنظومة الدولية وتزداد الفجوة اتساعاً بين "الغرب" و"الجنوب العالمي". فالضربة ستُفسر في عواصم كثيرة كدليل قاطع على أن القوة العسكرية لا تزال هي المحرك الفعلي والوحيد للنظام الدولي، بعيداً عن أروقة الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي.

 

 هذا الشعور بانعدام الأمن قد يحفز دولاً أخرى على السعي الحثيث لامتلاك أدوات ردع غير تقليدية كـ "ضمانة وجودية" نهائية، وهو ما يهدد باستقرار النظام العالمي بالكامل ويدخل البشرية في حقبة من الفوضى الأمنية التي لا يحكمها قانون.

 


ختاماً، إن "اليوم التالي" للضربة لن يكون نهاية الصراع، بل بداية لمخاض عسير لواقع جديد لا يمكن التنبؤ به. فإيران، بتركيبتها المعقدة، قد تنكفئ للداخل لمواجهة اضطرابات اجتماعية وسياسية ناتجة عن تصدع جبهتها الداخلية، أو قد تخرج من أزمتها "جريحة ومندفعة" نحو راديكالية أشد عنفاً لتعويض خسائرها الميدانية. 

 

في المحصلة، لن يعود الشرق الأوسط إلى ما كان عليه؛ فالضربة العسكرية ستمزق الستار عن "ستاتيكو" استمر طويلاً، لتضع العالم أمام نظام إقليمي أكثر سيولة، تصبح فيه التحالفات عابرة للأيديولوجيا ومبنية فقط على قاعدة "البقاء".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء