رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهوية الثقافية ليست شعارًا يُرفع، ولا مجرد موروث نتغنّى به في المناسبات، بل هي روح المجتمع وذاكرته الحية، وهي الإطار الذي يحدد ملامح شخصيتنا الجماعية ويمنحنا الإحساس بالانتماء والاستمرارية. وحين تضعف هذه الهوية أو تتعرض للتآكل، لا نخسر مجرد عادات أو مفردات لغوية، بل نخسر جزءًا من تعريفنا لأنفسنا ومن صورتنا أمام العالم.

خلال السنوات الأخيرة، أصبح المشهد في مصر مفتوحًا على العالم بدرجة غير مسبوقة.. هذا الانفتاح في جوهره ليس أمرًا سلبيًا؛ فالتفاعل مع الثقافات الأخرى يثري التجربة الإنسانية ويمنح المجتمعات فرصًا للتطور والتعلّم.. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانفتاح إلى ذوبان، وعندما يصبح الإعجاب بالآخر تقليدًا أعمى يطغى على تقدير الذات.

نلحظ اليوم مظاهر متزايدة لتراجع حضور اللغة العربية والرموز المحلية في الفضاء العام.. أسماء محال ومشروعات تُكتب بلغات أجنبية، لافتات وإعلانات تتعمد استخدام مفردات غير عربية، بل إن بعض المشروعات المصرية الخالصة تُقدَّم بهوية بصرية ولغوية توحي بأنها مستوردة. وكأن استخدام اللغة الأجنبية أصبح مرادفًا للرقي أو الحداثة، بينما يُنظر إلى اللغة الوطنية باعتبارها أقل جاذبية تسويقيًا، وهو تصور يحتاج إلى مراجعة جادة.

ولا يقتصر الأمر على اللافتات والمشروعات، بل يمتد إلى سلوكيات فردية في الحياة اليومية، حيث يتباهى بعض الأشخاص بإظهار انتماء ثقافي أجنبي، ويُكثرون من إدخال مفردات غير عربية في حديثهم، حتى في مواقف لا تستدعي ذلك.. وقد يظن البعض أن هذا يمنحهم صورة أكثر عصرية أو مكانة اجتماعية أعلى، بينما يعكس في حقيقته خللًا في مفهوم الاعتزاز بالذات.. فتعلم اللغات الأجنبية والانفتاح على ثقافات العالم أمر إيجابي ومطلوب، لكن المشكلة تظهر حين يكون ذلك على حساب اللغة الأم والهوية الأصلية , التوازن هنا هو المفتاح, أن نتعلم من العالم دون أن نتخلى عن أنفسنا.

اللافت أن كثيرًا من الدول التي نُعجب بتجاربها التنموية تحرص بشدة على حماية لغتها وهويتها الثقافية. فهي منفتحة اقتصاديًا وسياحيًا، لكنها في الوقت نفسه تضع ضوابط واضحة تضمن حضور اللغة الوطنية في اللافتات والعلامات التجارية والمجال العام. الهدف ليس الانغلاق، بل تحقيق توازن يحفظ الشخصية الوطنية من الذوبان في موجات العولمة المتسارعة.

من هنا تبرز أهمية دور الدولة ومؤسساتها التشريعية والثقافية وايضا مؤسسات المجتمع المدنى . فمع انعقاد دورة  برلمانية جديدة، يصبح من المشروع طرح هذا الملف للنقاش المجتمعي الواسع: كيف نحمي هويتنا الثقافية دون أن نعادي العالم؟ كيف نشجع استخدام اللغة العربية في المشروعات والإعلانات مع الحفاظ على حرية الاستثمار والتسويق؟ وكيف نرسّخ لدى الأجيال الجديدة شعور الفخر بلغتهم وثقافتهم؟

التشريع يمكن أن يكون أحد الأدوات، لكنه ليس الأداة الوحيدة, فالقوانين وحدها لا تصنع وعيًا, نحن بحاجة إلى سياسات ثقافية وتعليمية وإعلامية تعيد الاعتبار للغة العربية بوصفها لغة معرفة وإبداع، لا مجرد مادة دراسية. كما أن على المؤسسات الثقافية والفنية أن تقدّم نماذج ناجحة تثبت أن الهوية المحلية يمكن أن تكون مصدر قوة وجاذبية، لا عائقًا أمام الحداثة أو التواصل مع العالم.

المسؤولية هنا مشتركة. صاحب المشروع الذي يختار اسمًا عربيًا جذابًا يساهم في حماية الهوية, والإعلامي الذي يعتز بلغته يرسّخ هذا الاعتزاز لدى الجمهور, والأسرة التي تغرس في أبنائها احترام ثقافتهم تضع حجر الأساس لمستقبل أكثر توازنًا. وحتى الفرد العادي حين يعتز بلغته في حديثه اليومي، يشارك – دون أن يدري – في صون جزء من الذاكرة الجماعية.

إن حماية الهوية الثقافية لا تعني رفض الآخر، بل تعني معرفة الذات أولًا. فالمجتمعات الواثقة من هويتها هي الأقدر على الحوار مع العالم، وهي الأنجح في الاستفادة من العولمة دون أن تفقد ملامحها, وربما يكون التحدي الحقيقي أمامنا اليوم هو أن نثبت لأنفسنا – قبل غيرنا – أن لدينا ما يستحق الحفاظ عليه، وما يستحق أن نقدمه للعالم بلغتنا وروحنا وهويتنا الثقافية الخاصة.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء