رئيس "دينية النواب" يحذر من ظاهرتي زواج الجامعات وزواج الدم
عقدت دار الإفتاء في جناحها بمعرض الكتاب ندوة بعنوان" الفتوى والصحة النفسية" استضافت نخبةً من كبار العلماء والمشايخ لنقل خبراتهم العلمية والإسهام في رفع مستوى الوعي المجتمعي.
في بداية الندوة أكد الدكتور عمرو الورداني أن الفتوى لا تقف عند حدود الحكم الشرعي المجرد، بل تمتدُّ لتلامس الإنسان في مختلف جوانب حياته، بما يعكس التكامل بين الفتوى وسائر العلوم الإنسانية والمعرفية
وأشار الدكتور عمرو الورداني، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، إلى نماذج سابقة من الفتاوى المنحرفة التي انتشرت في المجتمع، مثل ما عُرف بظاهرة "زواج الجامعات و"زواج الدم"، والتي ترتَّب عليها مآسٍ إنسانية جسيمة، واستعرض واقعة لفتاة حملت نتيجة زواج غير منضبط، فلجأت إلى صاحب تدين ظاهري فأفتاها بأنها زانية وأن ما في بطنها ولد زنا، الأمر الذي أدى بها إلى الانتحار.
ربط المرض بضعف الإيمان .. مفهوم خطأ
أشار إلى أن توجهه لدراسة العلوم النفسية جاء بدافع تصحيح هذه الانحرافات، وتحرير الإنسان من آثار الفهم الخاطئ للدين، مؤكدًا أنَّ الفتوى الرشيدة لا تنفصل عن فهم النفس الإنسانية ولا عن مقاصد الشريعة في حفظ الإنسان وكرامته.
وتطرق الدكتور عمرو الورداني إلى عددٍ من المخاطر المخيفة التي تربط بين علم الإفتاء والعلوم النفسية، مشيرًا إلى أن أبرزها: العدمية الوجودية، واللا جدوى، والقلق الوجودي، وأزمة الهوية، والإلحاد العاطفي، وجفاف المحبة، والعجز النفسي، والخوف من المصير، وتأليه العقل، وتشويه العقل، منبهًا إلى أن المفتي لا بد أن ينظر إلى تلك المخاطر عند إصداره للفتاوى، مؤكدًا أن التعامل مع مرضى الوسواس القهري يتطلب منهجًا قائمًا على الرحمة والاحتواء بدلًا من النقد الذي يفاقم معاناتهم النفسية، محذرًا من خطورة الخطاب الديني القائم على اللوم والتنشئة السلبية في زيادة حدَّة الوسواس، وشدد على ضرورة تصحيح المفهوم الخاطئ الذي يربط المرض بضعف الإيمان، وأن هؤلاء الأفراد يحتاجون إلى دعم ومساندة خاصة.
ابحث عن صاحب الصنعة
وردًّا على سؤال: كيف يختار المستفتي المفتي للإجابة عن فتواه؟ أجاب الدكتور عمرو الورداني بأن هناك معايير لابدَّ أن يَعِيَها المستفتي حين يريد الفتوى، أبرزها أن يختار المفتي صاحب الصنعة، فلا تستفتِ إلا المؤسسات الدينية المعتبرة التي صقلتها الخبرة التراكمية، فالمفتي ليس مجرد ناقل للنصوص، بل هو خبير يدرك مآلات الفتوى، بالإضافة إلى سؤال أصحاب المنهج العلمي، بحيث يكون استنادهم إلى منهج علمي معتبر، متمثلًا في المذاهب الفقهية المستقرة التي تضمن عدم الشذوذ في الرأي، وتحمي الفتوى من الهوى الفردي. وتابع قائلًا: إن المفتي المعاصر يحتاج إلى مهارات تتجاوز حفظ المتون؛ فهو يحتاج إلى علوم الواقع، مثل: علم الاجتماع والنفس والاقتصاد؛ ليتمكن من ربط النص بالواقع المتغير في حُزمة مهارات تجعل فتواه واقعية وقابلة للتطبيق، كما أن هناك السياق الأخلاقي المتمثل في منظومة قيم فعالة، حيث إن الفتوى ليست حكمًا جافًّا، بل هي رحمة، لذا يجب أن تصدر من خلال منظومة قيمية تراعي الرفق والستر والحفاظ على كرامة الإنسان وتماسك المجتمع.
القسوة تولد الإلحاد العاطفي
اختتم الدكتور الورداني حديثه بالتحذير من إهمال الجانب النفسي حين إصدار الفتوى؛ مما يؤدي إلى ظواهر خطيرة، منها ما أسماه بالإلحاد العاطفي، وعرَّفه بالهروب من الدين، ليس لعدم القناعة بوجود الله تعالى، بل بسبب القسوة التي يواجهها الشخص من بعض الفتاوى أو الدعاة، وكذلك الجفاف الروحي، وهو يعني تحويل العبادة إلى واجبات ميكانيكية خالية من الطمأنينة.
في ختام الندوة، أكَّد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد -مفتي الجمهورية- أن الفتوى علم وصنعة تؤخذ من الناس لا مما صنعه الناس من أمثال التطبيقات الخاصة بالذكاء الاصطناعي مثل شات جي بي تي وغيرها، مشيرًا إلى أهمية استنباط الفتوى من خلال التفاعل المباشر مع المستفتي وفهم حاله وظروفه، فالمفتي يستشف مدى صدق واتساق كلام المستفتي من خلال الحوار المباشر معه، وملاحظة لغة جسده وسلوكه، موضحًا أن هذا الجانب الإنساني والنفسي هو ما يضمن دقة الفتوى وعدالتها وارتباطها بالواقع بعيدًا عن النقل الآلي للكلمات أو النصوص الجاهزة.
جاءت الندوة ضمن جهود دار الإفتاء المصرية لتطوير الخطاب الإفتائي المعاصر، وربطه بالعلوم الإنسانية الحديثة، بما يرسِّخ قيم الرحمة والاعتدال، ويعزِّز السلامة النفسية كأحد مقاصد الشريعة في خدمة الإنسان والمجتمع.