في قرننا الواحد والعشرين، كل شيء أصبح رقميًا، بما في ذلك الرياضة. منذ الثورة الصناعية الثالثة في منتصف خمسينيات القرن الماضي، والتطورات المذهلة التي فرضتها تطبيقات الحاسبات الآلية، تغيرت أنماط حياتنا بشكل جذري. اليوم، يمتلك أكثر من نصف سكان العالم حاسبات آلية وهواتف ذكية، وهم متصلون بالإنترنت على مدار الساعة، مما أتاح ظهور ظواهر جديدة لم نكن نتخيلها إلا في أفلام الخيال العلمي، والتي أؤمن أنها تمثل دومًا أنثروبولوجيا المستقبل.
من بين هذه الظواهر، الرياضات الإلكترونية، وهي ألعاب فيديو تنافسية تتمتع بهياكل بطولات ودوريات مشابهة للرياضات التقليدية. وفي الرياضات الإلكترونية، كما هو الحال في واقعنا المادي، يتنافس اللاعبون إما في فرق متعددة اللاعبين أو بشكل فردي. كما أنه بفضل خدمات البث المباشر من خلال المنصات الرقمية مثل Twitch وYouTube، أصبح اللاعبون المحترفون في الرياضات الإلكترونية يمثلون نوعًا جديدًا من المشاهير، حيث لديهم قواعد جماهيرية كبيرة وحقيقية تدعمهم وتشجعهم.
والجدير بالذكر أن الرياضات الإلكترونية، كما نعرفها اليوم، جديدة نسبيًا، ومع ذلك، كانت الألعاب الإلكترونية التنافسية موجودة منذ أيام لعبة Pong، الشبيهة بلعبة التنس، والتي تُعد واحدة من أوائل الألعاب الإلكترونية التي تم إنشاؤها على الإطلاق في بداية سبعينيات القرن العشرين. لذا، ففي حقيقة الأمر، فإن أصول الرياضات الإلكترونية تعود إلى هذه الحقبة الزمنية، عندما أصبحت أجهزة الألعاب المنزلية متوفرة لقطاع عريض من الأفراد لأول مرة.
وفي عام 1980، أُقيمت أول مسابقة على مستوى الولايات المتحدة للعبة Space Invaders بمشاركة 10,000 مشارك. وبعد مرور عام، تنافس اللاعبون في بطولة Donkey Kong بصورة أثارت الكثير من دهشة المتابعين. ثم جاءت حقبة التسعينيات، والتي زادت فيها شعبية مسابقات وبطولات مثل Street Fighter وMortal Kombat، تلتها في وقت لاحق من ذلك العقد لعبة GoldenEye وغيرها من ألعاب إطلاق النار، مما مهد الطريق لسلسلة StarCraft وWarcraft وOverwatch وCall of Duty وHalo. وبالتقدم سريعًا إلى عام 1998، سجلت بطولة StarCraft 2 الأسطورية على الحاسب الشخصي أكثر من 50 مليون مشاهد عبر الإنترنت، 17 مليونًا منهم شاركوا عبر Twitch.
مع حلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اكتسبت الرياضات الإلكترونية زخمًا كبيرًا، وظهر منظمو البطولات مثل World Cyber Games وElectronic Sports World Cup لأول مرة، تلاها إطلاق Major League Gaming (MLG) في عام 2002، والتي تُعد واحدة من أبرز منظمي الرياضات الإلكترونية على المستوى الدولي. وشهد عام 2006 أول بث تليفزيوني للرياضات الإلكترونية على شبكة USA Network، ولكنه لم يكن مثمرًا حتى ظهور منصة Twitch الرقمية في عام 2011، عندما تمكن اللاعبون من التفاعل المباشر مع جماهيرهم. لذا، في عام 2014، استحوذت أمازون على منصة Twitch، وأصبحت League of Legends واحدة من أكثر ألعاب الرياضات الإلكترونية شعبية على الإطلاق. وفي عام 2011، أقامت League of Legends أول بطولة عالمية لها، وفي عام 2013، تم بيع التذاكر بالكامل في Staples Center في لوس أنجلوس خلال دقائق من طرحها للبيع. وهذا كله يدل على تطور مفاهيم الألعاب الإلكترونية من حيث المضمون ومن حيث الشعبية، بقيادة جيل الألفية الثالثة، الذين وُلدوا وترعرعوا في بيئة رقمية منذ يومهم الأول.
ودومًا الأرقام لا تكذب، وهي خير دليل على ما وصلت إليه الألعاب الإلكترونية؛ فقد نمت صناعة الألعاب الإلكترونية بشكل كبير منذ بداية الألفية الثالثة. ففي عام 2022، بلغت قيمة سوق ألعاب الفيديو العالمية حوالي 347 مليار دولار أمريكي. وقد وصلت قيمة قطاع الرياضات الإلكترونية وحده إلى ما يقارب 2 مليار دولار في عام 2022، ومن المتوقع أن ينمو بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 26.8٪ من عام 2023 إلى عام 2030. كما شهد عدد اللاعبين في جميع أنحاء العالم زيادة مطردة، ففي نهاية عام 2020، كان هناك ما يقرب من 2.7 مليار لاعب على مستوى العالم. ومن المتوقع أن يستمر هذا العدد في النمو، مدفوعًا بزيادة إمكانية الوصول إلى الألعاب على منصات مختلفة، بما في ذلك أجهزة الحاسبات الشخصية والأجهزة المحمولة، طبقًا للوارد على الموقع الإلكتروني لبريتانيكا. وهذا يدل على أننا أمام صناعة حقيقية، علينا في منطقتنا العربية الاستعداد لها بمنتهى الجدية، ليكون لنا موضع قدم في هذه الصناعة الواعدة، التي تنتمي إلى المستقبل.
ومن هنا نرى أن شركات عملاقة مثل ميتا (فيسبوك سابقًا) وEpic Games تضخ استثمارات كبيرة في الجيل القادم من الألعاب الإلكترونية، وبشكل خاص اعتمادًا على تقنيات الميتافيرس، وهي مساحة افتراضية مشتركة جماعية، يتم إنشاؤها من خلال الدمج بين الواقع المادي والواقع المعزز افتراضيًا. لذا قامت Epic Games بجولة تمويلية بقيمة مليار دولار في عام 2021، بهدف تسريع خططها طويلة المدى لتقنيات الميتافيرس، وبمساهمات من كبار المستثمرين مثل سوني. أما ميتا فقد قامت باستثمارات كبيرة في هذا الخصوص؛ فمنذ عام 2021، أنفقت ميتا ما يقرب من 46 مليار دولار على تطوير تقنيات الميتافيرس، ويتضمن هذا الاستثمار تطوير تقنيات الواقع الافتراضي (Virtual Reality VR) والواقع المعزز (Augmented Reality AR)، بالإضافة إلى إنشاء بيئات رقمية أكثر تفاعلية. لذا، وبدون شك، من المتوقع أن مستقبل الألعاب الإلكترونية سيأخذ منحنى مختلفًا في المستقبل القريب، ليصبح أكثر واقعية وقدرة على جذب المزيد من الأجيال الجديدة الرقمية بالفطرة، بفضل تطور التقنيات السالفة الذكر، بالإضافة إلى التقدم المذهل في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتكاملها مع مختلف التقنيات الداعمة للألعاب الإلكترونية.
ولا أستبعد أن تصبح الألعاب الإلكترونية في القريب العاجل جزءًا من الحدث الرياضي الأهم في العالم، وهو الألعاب الأولمبية، كون اللجنة الأولمبية الدولية قد بدأت بالفعل، منذ دورة طوكيو 2020، في إدراج ألعاب مستحدثة لجذب الشباب، مثل ألعاب التزلج على الألواح والتسلق الرياضي، وأصبحنا نرى أبطالًا أولمبيين في سن الخامسة عشرة!
ومن هنا، علينا الاستعداد لنكون جزءًا فاعلًا في هذا العالم الجديد، كي لا يفوتنا قطار الحداثة في هذا العالم شديد التسارع. وللوصول إلى هذا الهدف، علينا بناء استراتيجيات وطنية في هذا الأمر، تتكامل مع بعضها البعض على مستوى الوطن العربي، لبناء منظومة تنافسية قادرة على النمو والاستدامة. ومن المقترح أن تكون هذه الاستراتيجيات قائمة على مجموعة من المحاور الخادمة لبعضها البعض، ومنها التعليم والتدريب، بإنشاء برامج متخصصة في الجامعات والمعاهد الفنية لتدريب الطلاب على تصميم الألعاب وتطويرها، لبناء قاعدة من الكوادر الماهرة، وكذلك تقديم الدعم المالي الفعال والحوافز للشركات الناشئة في قطاع الألعاب الإلكترونية، لتشجيع الابتكار. وهذا يجب أن يكون مقرونًا بتطوير البنية التحتية الرقمية لتصل إلى أعلى المعايير الدولية، بما في ذلك الإنترنت عالي السرعة ومراكز الحوسبة السحابية، مع تشجيع الشراكة بين المؤسسات التعليمية والهيئات الحكومية والشركات العالمية، بما يساهم في مواءمة البرامج التعليمية مع احتياجات الصناعة وتزويد الطلاب بخبرات عملية، بالإضافة إلى دعم مبادرات البحث والتطوير لدفع الابتكار في تقنيات الألعاب الإلكترونية، لامتلاك تكنولوجيات وطنية قادرة على المنافسة.
كما على الاستراتيجيات الوطنية أن تضع في حسبانها وجود سياسات وآليات للاحتفاظ بالمواهب الوطنية، مع القدرة على جذب الخبراء الدوليين في هذا المجال، وكذلك وضع أطر تنظيمية واضحة وداعمة لصناعة الألعاب الإلكترونية، تشمل حماية حقوق الملكية الفكرية، وضمان المنافسة العادلة، وخلق بيئة آمنة للألعاب الإلكترونية، مع تعزيز ثقافة الألعاب الإلكترونية من خلال الفعاليات والمسابقات وحملات التوعية العامة.
وأخيرًا وليس آخرًا، قطار الحداثة يسير بسرعة أصبح استيعابها أكبر من قدرة الكثير منا، وعلينا أن نكون جزءًا أصيلًا من عالمنا الجديد، الذي فرض على الجميع نماذج عمل جديدة. لذا نحن أمام مرحلة شديدة التعقيد، وعلينا أن نمتلك التكنولوجيا، لأن من يمتلك التكنولوجيا يحمي حاضره ويصنع مستقبله المستدام!