رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

باتت الصراعات في عالمنا الحالي تدار بشكل مدروس أمام عدسات الكاميرات، فلم يعد الإعلام ينقل الحقيقة أو ما يحدث على أرض الواقع، بل بما يُسمح له أن يُعرض وبما يخدم المصالح العليا والأجندة الأقوى، وما تقرر الخوارزميات أن يصل، وما تختاره المنصات ليصبح "مرئيًا".


ومن بين الملفات التي تعاني هذا التغييب المتعمّد أو الانتقائي، يبرز الملف الإيراني، فمن الغريب رغم المتابعة للعديد من الصفحات الإخبارية على موقع الفيس بوك، والبحث المستمر عن مستجدات الوضع الإيراني، ورغم وما يحمله الملف من تعقيدات سياسية وتصعيد متدرّج، إلا أن نسب ظهورها على التايم لاين تبدو وكأنها تمر في الظل مقارنة بملفات أخرى تحظى بتغطية كثيفة.


التطورات الأخيرة في إيران لا يمكن فصلها عن سياق إقليمي ودولي متشابك، حيث تتصاعد الضغوط السياسية والعسكرية، ويتكثف الحضور الأمريكي في المنطقة، في مقابل محاولات دبلوماسية حثيثة لاحتواء الانفجار قبل وقوعه.


فقد تصاعد إقليمياً وعالمياً أيضاً حدة التوتر حول ملف إيران بعناصر ثلاثة مترابطة: (1) موجة مظاهرات احتجاجات واسعة، (2) ردود الفعل الدولية على المستوى الاقتصادي والعسكري ومن بينها حزمة عقوبات وتحركات للأساطيل، (3) الرسائل السياسية التي صدرت من ترامب والتي تبدو في بعضها تحذيرية وفي بعضها متاحة للترجمة إلى عمليات عسكرية.


فقد فرضت واشنطن جولة جديدة من العقوبات التي طالت مسؤولين أمنيين ووزراء إيرانيين، في سياق اتهامات بقمع عنيف للمتظاهرين، مع إشارة إلى أدوات مالية ورقمية مستخدمة لتجاوز العقوبات.


ونقلت تقارير صحفية استقصائية – طبقاً لما نشره في رويترز- أن إدارة ترامب تدرس خيارات عسكرية محددة قد تشمل ضربات دقيقة داخل أراضي إيران كوسيلة للضغط السياسي أو لشحن احتجاج داخلي؛ وطبقاً للتقارير هذا الاحتمال قيد التداول وليس قرارًا نهائيًا، لكن وجوده يرفع من مستوى الخطورة الفعلية في المنطقة.


في حين إن ردّ طهران جاء مزدوجًا: إشارات استعداد للحوار بشرط "المساواة ورفض الشروط المسبقة" من جهة، وتحركات عسكرية واستعدادات بحرية في مضيق هرمز والبحرين من جهة أخرى، مع إنذارات بأن أي ضربة ستكون لها ردود واسعة.
الرئيس الأمريكي صرّح مرارًا بأن "أرمادا" بحرية وجوية متجهة للمنطقة وأن بلاده ترغب في تجنّب الحرب لكنها مستعدة لاتخاذ إجراءات حازمة إن لزم الأمر؛ وترافق هذه التصريحات تحرّكات عسكرية وتمارين واسعة في الخليج، ما يجعل الرسالة مزدوجة أيضاً: ردع واحتواء في الوقت نفسه، التقارير تبيّن أن هذه التحركات تُعرض كخيار استخدَمتْه واشنطن لزيادة الضغط على طهران بينما تبقي باب الدبلوماسية مفتوحًا.


تلعب مصر - بحسب اتصالات دبلوماسية وإفادات مسؤولي وسيط - دورًا هادئًا في محور محاولات التهدئة: اتصالات خلف الكواليس مع دول إقليمية وشركاء دوليين لإقناع الأطراف بخفض التصعيد وتفادي مواجهة عسكرية ذات كلفة عالية على استقرار المنطقة ،هذا غير وساطة بعض الدول والمبادرات الأوروبية للتخفيف من التوتر.


التحليلات الاستخبارية العلنية والخبرية  -طبقاً لمعهد الدراسات الحربية الأمريكية(ISW) -  تتفق أنّ وجود وسائط وأصول أمريكية في نطاق العمل لا يعني حتمية الضربة، لكنه يسهّل خيار تنفيذ توجيهات عسكرية قصيرة المدى إذا ما ارتأت واشنطن أن هناك مبررًا سياسياً أو أمنيًا لذلك. الصحافة المتخصصة تحذر من أن "التحضير" العسكري يمكن أن يتحول سريعًا إلى حادث يخرج عن السيطرة إن لم تُدارة الدبلوماسية والاتصالات بدقّة.


وسط هذا الزخم من التطورات على أرض الواقع والتصريحات للطرفين  نؤكد أنه ليس فقط من يملك الكاميرا يقيّم الحقيقة، بل من يملك الخوارزمية أيضًا يقرر أي جزء من تلك الحقيقة سيُعرض ويصل إلى المستخدم. دراسات وبحوث حديثة تُظهر نقطتين أساسيتين:

الخوارزميات في منصات التواصل (التي تقيم المحتوى على أساس التفاعل، السرعة، والربحية) تميل إلى تفضيل المحتوى القصير الانفعالي—وليس المواد التحليلية المعمقة عن أزمة إقليمية تحتاج سياقًا وتوثيقًا—وبالتالي تغيب التغطية المعمقة عن خطوط الرؤية العامة.


في حالات تحريك الرأي العام أو إخفاء معلومات (intentionally or structurally)، لا تكون الحجب دائمًا نتيجة قرار بشري مباشر، بل نتيجة "إغراق" الخوارزميات بالمحتوى الأقل عمقًا والأعلى قابلية للانتشار، ما يخنق الوصول إلى تقارير استقصائية وتحليلية عن الملف الإيراني. هذا ما تراه الأبحاث كآلية عمل واقعية للخوارزميات: ليس حذفًا صريحًا دائمًا، بل تهميشًا من خلال خوارزميات الترتيب والانتشار.


أمثلة عملية على تأثير الخوارزميات الآن:
تقارير وتحقيقات موسّعة عن قمع المتظاهرين أو عن تحركات أمنية داخل إيران تصل فقط إلى جمهور محدود عبر منصات إخبارية أو شبكات متخصصة، بينما لا تُعيدها خوارزميات المنصات الرئيسة إلى قوائم التريند أو الاقتراحات.


منشورات قصيرة ومثيرة (حتى إن كانت ناقصة أو مضلِّلة) تحصل على انتشار واسع لأن طبيعتها الانفعالية تناسب خوارزميات التعليق والمشاركة أكثر من التقارير الموزونة.


ولهذا الأمر تبعيات على العمل الدبلوماسي والمجتمعي ، عندما لا تصل تفاصيل مثل توقيت المفاوضات، شروط الوساطة الدولية أو مساعي القاهرة لخفض التصعيد، أو بيانات توضيحية عن العقوبات، يصبح متوسط الجمهور محاطًا بجزء مقتطع من الصورة — وهو ما يمكن أن يولّد قراءات خاطئة ويصعّب إدارة توقعات الشعوب وصانعي القرار المحليين والدوليين. 

 

وهنا تكمن خطورة أن تؤثر الخوارزميات سلبًا على قدرة الدبلوماسية على تحقيق أثرها الرشيد.
ورغم خطورة الملف الإيراني، يلاحظ المتابع غيابه النسبي عن منصات التواصل الاجتماعي.


وهنا لا يمكن تجاهل دور الخوارزميات التي لا تُصنّف الأخبار بناءً على أهميتها، بل على قابليتها للانتشار، وإثارتها للتفاعل، وقدرتها على جذب الإعلانات.


قضايا معقّدة، تحتاج إلى شرح وسياق وتحليل، غالبًا ما تُقصى لصالح محتوى سريع، انفعالي، وقابل للاستهلاك السريع.
وهكذا، لا تُحجب الحقيقة بالمنع المباشر، بل بالإغراق ، إغراقها بمحتوى أكثر صخبًا، أقل عمقًا، وأسرع نسيانًا.


فما يحدث في إيران، وما يرافقه من تصعيد أمريكي، وتحركات إقليمية لاحتواء الأزمة، ليس ملفًا ثانويًا، بل أحد مفاتيح فهم مستقبل المنطقة.

 


لكن حين تصبح الكاميرا هي الحكم، والخوارزمية هي الرقيب، لا يصل إلى الجمهور إلا جزء مبتور من المشهد.
في زمن الصورة السريعة، تبقى الحقيقة الكاملة هي الضحية الأولى، لا لأنها غير موجودة بل لأنها لا تتماشى مع منطق “الترند”،  فالحقيقة ليست غائبة… بل مُغيَّبة

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء