المتأمل في المشهد السياسي الراهن يجد نفسه أمام واقع استثنائي أصبح قاعدة شبه ثابتة؛ قرارات رئاسية تسبق أداء الحكومة، وتملأ فراغًا كان يُفترض أن تشغله السلطة التنفيذية، ودائمًا ما تحضر قرارات الرئيس في ملفات شائكة كان ينبغي أن تتصدرها الحكومة.
وهو واقع يفرض سؤالًا مُحيِّرًا، إذا كانت الحكومة هي صاحبة القرار التنفيذي، فلماذا ينتظر الشارع تدخل الرئيس في كل ملف شائك؟
وهنا يقفز سؤال فاصل، ونحن نعيش أجواء تعديل وزاري مزمع وحكومة مرتقبة، ما مواصفات الوزير المطلوب في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الوطن؟
الإجابة ليست لغزًا، فالواقع يقول إننا في حاجة ماسة إلى وزراء قادرين على اتخاذ القرار، وليس وزراء يديرون الوقت بدلًا من إدارة الأزمات، ويؤجلون مواجهة الملفات الساخنة. فلم يعد منصب الوزير رفاهية سياسية أو وجاهة اجتماعية، بل أصبح منصبًا ثقيل الكلفة، يتطلب كفاءة حقيقية، وخبرة متراكمة، وحسًّا سياسيًا قادرًا على قراءة اللحظة وفهم المزاج العام، فنجاح أي حكومة لا يبدأ من بيانها الأول أمام البرلمان، بل من دقة اختيار وزرائها.
الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن الشارع بات يحلم بوزير يشبهه، يعيش همومه، ويتحسس أوجاعه، ويدرك أن بطء القرار في لحظة الأزمة يعني كلفة مضاعفة، وزير لا يكتفي بإدارة الملفات من خلف المكاتب المغلقة، ولا ينتظر تقارير «كله تمام»، بقدر ما ينزل إلى الشارع، يرى ويسمع ويقرر.
الشارع المصري يحتاج وزيرًا لا يُجمِّل الواقع في بيانات، بل يشتبك ويواجه ويحل، ويسمع الغضب قبل التصفيق، ويتحمل النقد بدل الهروب منه.
وهنا يعاود السؤال التقليدي طرح نفسه مجددًا مع كل تعديل وزاري، هل نحتاج إلى وزير سياسي أم وزير تكنوقراط؟
والإجابة باتت واضحة؛ مصر تحتاج إلى وزير يجمع بين الحسنيين، يمتلك الحس السياسي الذي يُحسن التواصل مع الشارع، والخبرة الفنية التي تُمكِّنه من إدارة ملفه بكفاءة واقتدار.
الصراحة تقتضي القول إن المرحلة الراهنة لا تحتمل وزراء يترددون أو ينتظرون تعليمات فوقية في كل خطوة، بل تحتاج إلى شخصيات تمتلك الجرأة في اتخاذ القرار، وتتحرك وفق «ترمومتر» الشارع، لا وفق منطق تجنب الصدام أو الهروب من المسؤولية.
في ظني أن وزير المرحلة هو من يكون قدوة في احترام القانون، وحارسًا أمينًا على المال العام، ومؤمنًا بأن المنصب لا يمنحه حصانة من المساءلة أو النقد، وزير يدرك أنه بشر، قابل للنقاش والمحاسبة، لا «إلهًا» معزولًا داخل مكتبه، ويؤمن بأن النزاهة ليست شعارًا، بل شرطًا حاكمًا، وأن تسبق الشفافية الشللية، والإنصات الكلام، وألا يكتفي بسماع ما يرضي الأذن ويسرّ العين.
مطلوب وزير يرى في الإعلام عينه التي يرى بها المسكوت عنه، لا خصمًا له، ويؤمن بأن الرأي العام شريك في القرار قبل الإصلاح، وأن التقارير الإعلامية هي جرس إنذار مبكر يجب الإصغاء إليها؛ فمن يعادي الإعلام يعادي الواقع، ومن يغلق أذنيه عن الرأي العام يفتح الباب لفقدان الثقة.
صحيح أن الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ قال إن «آفة حارتنا النسيان»، والصدق يقول إن آفة الحكومات المتعاقبة في مصر هي «فارق السرعات» بين متطلبات الشارع وأداء الحكومة، وهي فجوة أضعفت الثقة، وراكمت الإحباط، ودفعت الرئيس مرارًا إلى التقدم خطوة إلى الأمام.
الواقع يقول إن التحديات التي تواجه الدولة المصرية، داخليًا وخارجيًا، كثيرة ومعقدة، وعلى رأسها الملف الاقتصادي، الذي يحتاج إلى مشرط جرّاح ماهر قادر على تشخيص ما يعانيه الاقتصاد من أوجاع، ويعبد الطريق إلى الانطلاقة المنشودة، لا إلى مسكنات مؤقتة، ناهيك عن ملفات التعليم والصحة والتموين، وهي جميعها لا تحتمل إدارة بالريموت كنترول، بقدر ما تحتاج إلى وزير بدرجة «مايسترو».
الواجب يحتم القول إن الخطوات التي يسبق بها الرئيس أداء الحكومة تفرض ضرورة أن تسير الحكومة الجديدة على النسق نفسه، وبالتوازي مع رؤية الدولة، لا في موقع رد الفعل. فالدول القوية تُبنى برجال دولة، ومصر لا تفتقر إلى الكفاءات أو المخلصين، لكنها تحتاج إلى حسن الاختيار.
الأمل كل الأمل أن يحمل التغيير الوزاري المقبل وزراء يمتلكون الضمير قبل النفوذ، والكفاءة قبل المنصب، والرؤية قبل الوجاهة، والجرأة قبل المناورة، والقرار قبل التبرير؛ وزراء يشعر بهم الشارع قبل أن يقرأ عنهم في البيانات الرسمية.