عصر بلا كروت ولا «ATM».. كيف تعيد البنوك تشكيل مستقبل التعاملات المالية؟
لم تعد ماكينات الصراف الآلي ولا كروت سحب الأموال هي الرمز الأبرز للخدمات المصرفية كما كانت لعقود طويلة، فالعالم ومصر في قلبه، يتجه بخطى متسارعة نحو نموذج مصرفي جديد يقوم على الخدمات الرقمية الكاملة، حيث ينجز العميل معاملاته دون لمس كارت، ودون الوقوف أمام ماكينة ودون حتى زيارة فرع بنك.
هذا التحول لم يعد سيناريو مستقبليًا بعيدًا، بل مسارًا بدأ بالفعل، تقوده التكنولوجيا، وتدعمه التشريعات، وتفرضه أنماط الحياة الحديثة.
من ماكينات السحب إلى البنوك الذكية
وبدأت رحلة التطور المصرفي بماكينات السحب والإيداع الآلي، التي شكلت في وقتها ثورة في تسهيل وصول العملاء إلى أموالهم خارج ساعات العمل الرسمية، ومع مرور الوقت توسعت وظائف هذه الماكينات لتشمل الإيداع النقدي، سداد الأقساط، دفع الفواتير، وتغيير العملات، ثم ظهرت ماكينات الخدمة الذاتية في محطات الوقود والمراكز التجارية والأماكن العامة.
لاحقًا، انتقلت البنوك إلى مرحلة أكثر تقدمًا مع ظهور ماكينات "ITM"، التي تحاكي فروع البنوك التقليدية وتتيح للعميل التفاعل مع موظف خدمة عملاء عن بُعد بالصوت والصورة، وإنجاز معاملات كانت تتطلب سابقًا زيارة الفرع.
تلك المرحلة كانت تمهيد طبيعي للانتقال إلى نموذج "البنك بلا جدران"، ومع انتشار الإنترنت البنكي بات بإمكان العملاء إجراء معظم معاملاتهم من المنزل: "الاستعلام عن الأرصدة، التحويلات، شراء الشهادات، فتح الحسابات، بل وحتى تنفيذ بعض الخدمات الحكومية."
هنا لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى الفرع؟ بل: متى يصبح الفرع خيارًا لا ضرورة؟
ويرى الدكتور إسلام جمال الدين، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن ما يحدث هو تطور طبيعي في عمل البنوك، موضحًا أن القطاع المصرفي تاريخيًا كان الأسرع في تبني التكنولوجيا لأن الثقة وسرعة الخدمة عنصران حاسمان في العلاقة بين البنك والعميل، وكل مرحلة جديدة كانت تهدف إلى تقليل الاحتكاك المباشر، وخفض التكلفة التشغيلية وتحسين تجربة المستخدم.
المحافظ الإلكترونية والبنوك الرقمية.. حين يصل البنك إلى القرى والنجوع
وجاءت الطفرة الحقيقية في الشمول المالي مع المحافظ الإلكترونية، التي انتشرت بفضل الهواتف الذكية، ووصلت إلى شرائح لم تكن تتعامل مع البنوك من الأساس، خاصة في القرى والمناطق النائية. في بداياتها، قادتها شركات الاتصالات، قبل أن يتدخل البنك المركزي المصري لتنظيم المنظومة ووضع إطار تشريعي يحمي أموال العملاء.
وجاء القانون رقم 194 لسنة 2020 ليحسم المشهد، بحظر تلقي شركات الاتصالات للإيداعات النقدية مباشرة، ما أدى إلى نشوء شراكات بينها وبين البنوك، وظهور شركات التمويل الاستهلاكي كحلقة وصل بين العميل والقطاع المصرفي. هذا التنظيم لم يكن تقييدًا بقدر ما كان إعادة ضبط للسوق.
ومن جانب آخر، قال الخبير الاقتصادي حسن مرتضى، إن المرحلة كانت ضرورية، مؤكدًا على أن تنظيم المحافظ الإلكترونية حمى العملاء من مخاطر كبيرة، وخلق بيئة تنافسية صحية وأجبر كل الأطراف على الالتزام بمعايير الأمان والحوكمة.
وأكد مرتضى أن هناك فارق بين البنوك الرقمية المرخصة التي تخضع لإشراف كامل من البنك المركزي، وبين شركات الـ "Neo Bank" والتي تقدم خدمات مالية دون أن تكون بنوك رسمية، مشددًا على أن مصر وضعت ضوابط صارمة لحماية العملاء، وأصدرت تشريعات خاصة لتنظيم هذا النوع من الخدمات.
هل نحن جاهزون لعصر No Cash؟
مع كل هذا التحول، يظل هاجس الأمان هو السؤال الأبرز لدى المواطنين، وأشار الخبير الاقتصادي أن البنوك لا تعتمد فقط على كلمات المرور التقليدية، بل على منظومة متكاملة من التحقق الرقمي من الهوية، تشمل مسح بطاقة الرقم القومي وربطها بالأحوال المدنية وربط الحساب برقم الهاتف، واستخدام التحقق البيومتري مثل بصمة اليد أو الصوت أو العين.
وأضاف أن الهوية الصوتية باتت تستخدم ككلمة مرور في بعض المعاملات، في ظل الإطار القانوني الذي يوفره قانون التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004، ودور هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات في تنظيم هذه المنظومة بما يحفظ حقوق الأفراد والشركات.
مستقبل ماكينات الـATM
أكد الخبير الاقتصادي وعضو جمعية الاقتصاد السياسي أننا قريبًا لن نحتاج إليها، لأننا نتجه إلى نموذج "No Cash"، وستختفي فكرة الكروت وسيتم تنفيذ المعاملات عبر المساعد الذكي الشخصي، دون أي وسيط مادي.
وأضاف جمال الدين أن التحول لا يعني اختفاء البنوك التقليدية، بل إعادة تعريف دورها، موضحًا أن البنك سيبقى مركز الثقة وإدارة المخاطر لكن أدواته ستتغير وسيصبح أقرب إلى منصة رقمية ذكية تخدم الاقتصاد الحقيقي.

