أحمد الغنام: انتشار المذاهب الفقهية مرتبط بشكل كبير بالسياسة والسلطة
قال الشيخ أحمد الغنام، أحد علماء وزارة الأوقاف، إن انتشار المذاهب الفقهية في الدول الإسلامية كان مرتبطًا بشكل كبير بالسياسة والسلطة الحاكمة، مؤكدًا أن مسألة الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق أخذت من مذهب الإمام أبي حنيفة لأسباب تاريخية وعملية، حيث أن الدولة العثمانية، آخر خلافة إسلامية، اعتمدت المذهب الحنفي رسميًا، فانتشر هذا المذهب في كافة الولايات التابعة لها، بما فيها مصر، إذ كان سلاطينها وأمراءها ينقلون المذهب المعتمد إلى كافة الأراضي التي سيطروا عليها، فانتشر بذلك الفقه الحنفي بين عامة الناس وأصبح قاعدة للتعبد والمعاملات اليومية.
الخلفية التاريخية لاعتماد المذهب الحنفي
وأضاف الغنام، خلال لقاء على فضائية الحياة، أن مصر كانت تحت الحكم العثماني لفترة طويلة، وبالتالي كان النظام القضائي والقوانين المحلية تتبع المذهب الحنفي، وهو ما أثر بشكل مباشر على صياغة قوانين الأحوال الشخصية، خاصة في مسألة الزواج والطلاق، فهو معروف بتوسعه ومرونته في العديد من المسائل الفقهية، ما جعله أقرب إلى إعطاء المرأة حقوقًا واسعة ضمن إطار الزواج والطلاق، مقارنة ببقية المذاهب الأخرى، الأمر الذي ساعد على ضمان التوازن والعدالة في العلاقات الأسرية.
وأكد الشيخ أحمد الغنام، أن المذهب الحنفي يتميز بأنه يمنح المرأة حقوقًا أوسع في مسائل الزواج والطلاق، مما جعل المشرع المصري يعتمد عليه بشكل أساسي عند صياغة قوانين الأحوال الشخصية في بدايات القرن العشرين، خاصة وأن آثار تبني الخلافة العثمانية ما زالت محسوسة في الممارسات القضائية آنذاك، موضحًا أن هذا الاختيار لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة دراسة دقيقة لمرونة المذهب الحنفي في تنظيم العلاقات الأسرية بما يحقق مصالح الطرفين، ويوازن بين حقوق الزوجين، ويمنح المرأة حماية قانونية واضحة.
الاستمرارية القانونية حتى اليوم
وأشار إلى أن تبني المذهب الحنفي في القوانين المصرية لم يقتصر على الماضي فقط، بل استمر تأثيره حتى بعد سقوط الخلافة العثمانية، إذ أن المشرع المصري عند وضع التشريعات الحديثة للأحوال الشخصية استند إلى قواعد المذهب الحنفي في العديد من نصوصه، بما يضمن استقرار المعاملات الأسرية والعدالة بين الزوجين، وهذا التأسيس القانوني لم يقتصر على الجانب التاريخي، بل كان عمليًا أيضًا، حيث وجد المشرع أن مرونة المذهب الحنفي تساعد على التعامل مع مختلف القضايا الأسرية المعقدة، بما فيها الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والنفقة، مما يجعل تطبيقه أكثر واقعية في المجتمع المصري.
واختتم الشيخ أحمد الغنام، أحد علماء وزارة الأوقاف، حديثه بالإشارة إلى أن العلاقة بين السياسة والفقه كانت دائمًا وثيقة، فالسلطة الحاكمة تحدد المذهب الذي يعتمد في القضاء والتعليم الشرعي، وهذا ما حدث في مصر خلال حكم العثمانيين، فاعتماد المذهب الحنفي لم يكن مجرد اختيار ديني فحسب، بل نتيجة للهيمنة السياسية والتقاليد الإدارية التي أرستها الخلافة في أنحاء الدولة، مؤكدًا أن فهم خلفية اعتماد المذهب الحنفي في مصر يساعد على إدراك الحكمة من وراء قوانين الأحوال الشخصية الحالية، ويبرز الدور الكبير للفقه السياسي في توجيه حياة المجتمعات الإسلامية وضمان استقرارها القانوني والاجتماعي.
