رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يعد الأمن السيبراني مرتبطًا فقط بحماية الشبكات من الهجمات الخارجية، بل أصبح مرتبطًا بشكل متزايد بإدارة السلوك البشري داخل المؤسسات، خاصة مع التوسع غير المنضبط في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. فهذه الأدوات، رغم قدرتها على تعزيز الحماية الرقمية، تفتح في الوقت ذاته مسارات جديدة لتسريب البيانات، سواء عن قصد أو عن غير قصد، إذا ما استُخدمت خارج أطر الحوكمة المؤسسية.

الواقعة الأخيرة المتعلقة بقيام مسؤول رفيع في منظومة الأمن السيبراني الأميركية برفع وثائق حكومية حساسة إلى النسخة العامة من ChatGPT تمثل نموذجًا دقيقًا لهذا الخلل. فالدولة التي تقود الخطاب العالمي حول حماية البيانات وجدت نفسها أمام تهديد لم يأتِ من خصومها أو من هجوم سيبراني معقّد، بل من داخل أجهزتها السيادية نفسها. وهو ما يكشف أن الخطر الحقيقي لم يعد خارجيًا فقط، بل داخليًا، مرتبطًا بالقرارات الفردية داخل المنظومة.

ولا يُعد هذا المثال استثناءً. فقد شهدت السنوات الأخيرة حوادث مشابهة في مؤسسات مالية وصحية كبرى، حيث أدى استخدام أدوات ذكية غير معتمدة إلى تسريب بيانات عملاء، أو إدخال معلومات سرية في منصات تقع خارج نطاق السيطرة المؤسسية. وفي جميع هذه الحالات، لم تكن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب سياسات واضحة تحكم استخدامها، وتحدد ما يجوز وما لا يجوز إدخاله إلى هذه الأدوات.

هنا تتجلى خطورة الأمن السيبراني في عصر الذكاء الاصطناعي. فالتهديد لم يعد مرئيًا أو تقليديًا، ولا يمكن رصده بسهولة عبر أنظمة الإنذار المعتادة. إنه تهديد ناعم، يتسلل عبر القرارات اليومية، وسوء التقدير، والثقة المفرطة في الأدوات الذكية، ليضرب جوهر أمن البيانات من الداخل.

وفي عالم تُدار فيه الصراعات اليوم بالبيانات بقدر ما تُدار بالسلاح، يصبح الخلل في الأمن السيبراني مسألة سيادة لا مجرد قضية تقنية. فتسريب وثيقة واحدة قد لا يغيّر مسار حرب، لكنه قادر على إضعاف موقع تفاوضي، أو كشف أولويات استراتيجية، أو زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة. ومن هنا، لا يمكن فصل الذكاء الاصطناعي عن معادلات القوة في النظام الدولي المعاصر.

الخطير في الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات السيادية ليس فقط احتمالات التسريب، بل تطبيع هذا الاستخدام دون مساءلة حقيقية. فحين يتحول إدخال البيانات في منصات عامة إلى ممارسة يومية، يصبح الخرق مسألة وقت لا أكثر، ويفقد الأمن السيبراني طابعه الوقائي، ليتحول إلى رد فعل متأخر بعد وقوع الضرر.

ومن منظور امرأة عربية تراقب هذا المشهد العالمي، يبدو الخطر مضاعفًا. فالدول النامية تُطالَب بالامتثال لمعايير صارمة في مجال أمن البيانات، بينما لا تزال مراكز القوة نفسها تكافح لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي داخل مؤسساتها. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول عدالة النظام الرقمي العالمي، وقدرته الفعلية على حماية بيانات الجميع، لا بيانات الأقوياء فقط.

وفي السياق العربي، تتفاقم الإشكالية بسبب الفجوة بين الطموح الرقمي والقدرة المؤسسية على الحماية. فغياب تشريعات واضحة، وآليات رقابة فعالة، وثقافة استخدام رشيد للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحكومية، يجعل أمن البيانات عرضة لمخاطر لا تقل خطورة عن الهجمات الخارجية. وهنا لا يكون التهديد تقنيًا فقط، بل بنيويًا.

ومن زاوية إنسانية، تدرك المرأة العربية أن ضعف أمن البيانات لا يهدد الدولة وحدها، بل ينعكس مباشرة على الأفراد،فالاختراقات الرقمية وتسريب المعلومات الشخصية قد تتحول إلى أدوات للابتزاز، أو الترهيب، أو إسكات الأصوات في المجال العام. ومن ثم يصبح الأمن السيبراني شرطًا من شروط الأمان الشخصي، وليس مفهومًا تجريديًا أو نقاشًا نخبويًا.

في هذا السياق، لا يبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي مرهونًا بمدى تطوره التقني، بل بقدرة الدول على فرض حوكمة صارمة، وربط الاستخدام بالمساءلة، ووضع الإنسان في قلب معادلة الأمن الرقمي. فالتكنولوجيا التي تُستخدم دون وعي سياسي ومؤسسي قد تُضعف الدولة بدل أن تحميها، وتكشف المجتمع بدل أن تصونه.

وفي الختام، تطرح المرأة العربية سؤالًا لا يمكن تجاهله:
هل نعيش عصر ذكاء اصطناعي متقدم.. أم عصر وعي سياسي متأخر؟
الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيحدد ما إذا كان الأمن السيبراني خط دفاع حقيقي، أم مجرد شعار في عالم يتزايد فيه الانكشاف الرقمي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء