طارق البرديسي: دمج قسد داخل مؤسسات سوريا يقلص من بؤر التوتر والصراعات
قال الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، إن الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية قسد لا يعد الأول من نوعه، بل هو الاتفاق الثالث بين الطرفين، موضحًا أن الهدف الرئيسي منه يتمثل في وقف إطلاق النار وتهيئة المناخ لمرحلة أكثر استقرارًا داخل الأراضي السورية، حيث أن الدولة السورية تسعى من خلال هذا الاتفاق إلى دمج قسد داخل مؤسسات الدولة، سواء على المستوى العسكري أو الإداري، باعتباره مدخلًا أساسيًا لإعادة بسط السيادة، وتقليص بؤر التوتر التي عانت منها البلاد خلال السنوات الماضية.
أهداف الاتفاق ومساعي وقف إطلاق النار
وأضاف البرديسي، خلال مداخلة هاتفية على فضائية TEN، أن الاتفاق يركز بالأساس على تثبيت وقف إطلاق النار، وتقليل حدة الاشتباكات في مناطق التماس، بما يسمح بفتح مسارات سياسية وأمنية أكثر هدوءًا، تسهم في تخفيف معاناة المدنيين، وإعادة الحياة تدريجيًا إلى بعض المناطق المتضررة، وهذا التحرك يعكس رغبة رسمية في إنهاء حالة الاستنزاف المستمرة، خاصة أن استمرار الصراع لم يعد يخدم أي طرف داخلي، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، وتداخل المصالح بين القوى الفاعلة في الملف السوري.
ولفت خبير العلاقات الدولية، إلى أن الأوضاع الميدانية تشهد تحسنًا نسبيًا في بعض المناطق، إلا أن هذا التحسن لا يزال محفوفًا بالحذر، نظرًا لهشاشة التهدئة، وإمكانية انهيارها في أي وقت حال غياب الضمانات الكافية، موضحًا أن الوصول إلى تهدئة، حتى وإن كانت مؤقتة، يُعد مؤشرًا إيجابيًا في مسار الأزمة السورية، لكنه في الوقت ذاته يتطلب جهودًا مضاعفة للحفاظ عليه، خاصة في ظل تاريخ طويل من الاتفاقات التي لم تصمد أمام التحديات الميدانية.
دعم دولي وإقليمي للاتفاق
وأكد الدكتور طارق البرديسي، أن جميع الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الشأن السوري، بما في ذلك تركيا والولايات المتحدة وروسيا، تبدي رغبة في تعزيز هذا الاتفاق ودعمه، كل وفقًا لحساباته ومصالحه الاستراتيجية في المنطقة، مشيرًا إلى أن هذا التوافق النسبي بين القوى المؤثرة يمنح الاتفاق فرصة أفضل للاستمرار، مقارنة باتفاقات سابقة افتقرت إلى غطاء دولي كافٍ، موضحًا أن الدعم الخارجي قد يسهم في ضبط الإيقاع الميداني وتقليل فرص التصعيد.
وأوضح أن فرص نجاح الاتفاق في تثبيت الاستقرار، يتطلب العمل بسياسة النفس الطويل، إذ لا يمكن تحقيق نتائج سريعة في ظل تعقيدات المشهد السوري، وتشابك الملفات الأمنية والسياسية والعرقية، مضيفًا أن الرغبة الدولية وحدها لا تكفي، فالعامل الحاسم يتمثل في الإرادة الداخلية السورية، باعتبارها صاحبة القرار النهائي في إنجاح أي اتفاق، مشددًا على أن التفاهمات الحقيقية يجب أن تنبع من الداخل، لا أن تُفرض من الخارج.
الدمج العسكري والإداري جوهر الاتفاق
وأشار الدكتور طارق البرديسي، إلى أن أهم ما يميز هذا الاتفاق هو التركيز على مسألة الدمج العسكري والإداري لقوات سوريا الديمقراطية داخل مؤسسات الدولة السورية، باعتبار ذلك خطوة مفصلية نحو إنهاء حالة الازدواجية في السلطة والسلاح، موضحًا أن الدمج، إذا تم بشكل منظم ومدروس، يمكن أن يسهم في توحيد القرار الأمني والعسكري، وتقليص فرص الصدام، إلى جانب تعزيز قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخلية بشكل أكثر فاعلية.
واختتم الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، تصريحاته بالتأكيد على أن الاتفاق، رغم أهميته، يواجه تحديات كبيرة على مستوى التنفيذ، تتعلق ببناء الثقة بين الأطراف، وتجاوز الخلافات المتراكمة، وضمان التزام الجميع ببنوده، مشيرًا إلى أن نجاح هذا المسار قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في سوريا، ويشكل خطوة أولى على طريق التسوية الشاملة، إذا ما توافرت الإرادة السياسية الحقيقية، والدعم الداخلي اللازم لتحويل الاتفاق من مجرد تفاهم على الورق إلى واقع ملموس على الأرض.

