طارق الدسوقي: موافقة الأزهر الشريف ضمان لدقة المحتوى الفني
نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب اليوم الجمعة، ندوة بعنوان "الفتوى والدراما من الترفيه إلى الوعي" لمناقشة العلاقة بين الفتوى والدراما وكيف يمكن للدراما أن تكون أداة لبناء الوعي وتصحيح المفاهيم.
استضافت الندوة الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والفنان القدير طارق الدسوقي، وأدارها الإعلامي حسن الشاذلي، بحضور الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، وحشد من المثقفين والمفكرين والإعلاميين وزوَّار معرض الكتاب.
الجهل.. الخطر الأكبر
من جهته، أكد الفنان طارق الدسوقي أن للدراما دورًا محوريًّا وخطيرًا في تشكيل وعي المجتمعات، مشيرًا إلى أن المفاهيم التي نشأ عليها جيله حول تحديات الدول النامية، والمتمثلة في «الفقر والجهل والمرض»، تحتاج إلى إعادة نظر، موضحًا أنه اكتشف من خلال تجربته الفنية أن «الجهل» هو الخطر الأكبر، وأن القضاء عليه كفيل بالقضاء على بقية الأزمات.
وأوضح الدسوقي أن الجهل لا يقتصر على شكل واحد، بل تتعدد أنواعه بين الجهل السياسي، والثقافي، والفني، والديني، مؤكدًا أن السبيل الوحيد لمواجهته يتمثل في الثقافة والفن والإعلام والتعليم القائم على الإبداع والابتكار، وليس التعليم القائم على الحفظ والتلقين، باعتبارها الأدوات الأساسية لبناء الإنسان والحفاظ على هويته، مشيرًا إلى أن العمل الدرامي يعد أخطر هذه الوسائل وأكثرها تأثيرًا، نظرًا لأن شعوب العالم تتأثر بالصورة أكثر من القراءة، كما أن الشعوب العربية بطبيعتها عاطفية، تميل إلى الحكاية والسرد وضرب الأمثال؛ ما يجعل الرسالة الدرامية تصل إليهم بسرعة وفاعلية تفوق أي وسيلة أخرى.
الرسائل الظاهرة والمخفية
وشدد الدسوقي على أن الدراما سلاح شديد الخطورة في بناء الوعي إذا أُحسن استثماره، مؤكدًا ضرورة أن يطرح صُنَّاع أي عمل درامي على أنفسهم تساؤلات أساسية قبل التنفيذ، من بينها: ماذا نريد أن نقول للناس؟ وما الرسالة الظاهرة؟ وما الرسائل التي تمرر بين السطور؟ وعلى ضوء هذه الإجابات يُتخذ قرار تقديم العمل من عدمه، موضحًا أنه لا يوجد ما يسمى «فن للترفيه فقط»، خاصة في ظل ما تواجهه مصر من تحديات وتهديدات متعددة، مؤكدًا أن العمل الدرامي مطالب اليوم بأداء رسالته الوطنية والمجتمعية بوضوح ومسؤولية.
واستعرض الفنان الدسوقي مجموعة من المعايير التي يرى أنها يجب أن تتوافر في العمل الدرامي المؤثر، من بينها أن يغوص في مشكلات الناس الحقيقية ويطرح حلولًا لها، وأن يرتقي بالمستوى الفكري للجمهور، ويُرسِّخ الهُوية الوطنية بما تحمله من لغة وعادات وتقاليد، ويزكِّي روح الانتماء لدى الشباب، وأن يلقي الضوء على الفترات المشرقة في تاريخ مصر الماضي والحاضر، ويبرز نماذج الأئمة والعلماء والشخصيات المشرفة ليكونوا قدوة يحتذى بها، فضلًا عن إعادة إحياء منظومة القيم والأخلاق التي تميز بها المجتمع المصري وبدأت تتراجع خلال الفترات الأخيرة.
معايير صارمة وجادة
وأكد أن الالتزام بهذه المعايير من شأنه أن يجعل العمل الدرامي أكثر تأثيرًا ويحمل رسالة قوية في بناء الوعي، موضحًا أن رجل الدين قد يصل بخطابه إلى المئات، بينما يستطيع عمل درامي واحد أن يصل إلى ملايين المشاهدين، ما يستوجب عدم الاستهانة بخطورة الدراما ودورها في تشكيل الوعي العام، متطرقًا إلى صورة الفنان في المجتمع، مؤكدًا أن كثيرًا من الفنانين والفنانات ملتزمون في حياتهم الشخصية واختياراتهم الفنية بالقيم والعادات والتقاليد، بل قد يكون التزامهم بالشعائر والفرائض أكثر من غيرهم، إلا أن وجودهم الدائم تحت الأضواء يجعل أي تصرف بسيط عرضة للتضخيم، بما قد يؤدي أحيانًا إلى نفور قطاعات من المجتمع منهم، مشيرًا إلى حرصه في جميع أعماله الفنية على وضع معايير صارمة وجادة، والعمل على الالتزام بها حفاظًا على الرسالة الفنية والإنسانية التي يقدمها.
وفيما يتعلق بصورة رجل الدين في الأعمال الفنية، أوضح الدسوقي أنه لا ينكر وجود بعض الأعمال التي قدَّمته بشكل ساخر في فترات سابقة، لكنه أشار إلى أن هذا الاتجاه تراجع بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وأصبح تجسيد هذه الشخصيات يتم بحرص واحترام يليق بمكانتها في المجتمع.
كما أكد الفنان طارق الدسوقي أن مسألة المراجعة تمثل ركيزة أساسية عند تقديم أي عمل درامي، خاصة الأعمال التاريخية والدينية، مشددًا على ضرورة حصول هذه الأعمال على موافقة الأزهر الشريف، ومراجعة كل ورقة داخل العمل، لضمان دقة المحتوى وصحته، موضحًا أن أي مقولة أو آية قرآنية أو حديث نبوي يَرِد ضمن السياق الدرامي يجب التحقق منه بجدية شديدة، سواء من حيث صحة النص أو سلامة النطق، وبدرجة من الدقة لا تحتمل الخطأ، لما للدراما من تأثير بالغ في وعي الجمهور وتشكيل مفاهيمه، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر على الشأن الديني فقط، بل يمتد إلى القضايا الطبية والقانونية وغيرها، مؤكدًا أهمية الاستعانة بالمتخصصين من أطباء ومحامين وقضاة، تحريًا للصدق والدقة والحذر فيما يقدم للناس، خاصة أن العمل الدرامي يُعد من أكثر الوسائل تأثيرًا في المتلقي.
أدوات المعالجة
وذكر الدسوقي أن الخطأ إذا صدر عن شخص عادي قد يكون محدود الأثر، لكنه يتحول إلى كارثة حين يصدر عن شخصية مؤثرة تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، إذ لا يضر نفسه فقط، بل ينعكس أثره السلبي على الآخرين، معربًا عن حزنه من بعض الشخصيات العامة التي تمتلك أعدادًا كبيرة من المتابعين، لكنها تفتقر إلى الوعي أو تروج لأجندات خاصة أو أفكار متشددة، حتى وإن كانت خاطئة، مؤكدًا أن الدراما في جوهرها صراع بين الخير والشر، إلا أن جوهر الأزمة يكمن في كيفية تقديم هذا الصراع، موضحًا أن المبدع يمتلك أدوات متعددة لمعالجة القضايا الشائكة داخل إطار القيم والعادات والتقاليد، دون إسفاف أو ابتذال، وأن الأعمال التي تخاطب عقل الجمهور وتحترم وعيه هي وحدها القادرة على تحقيق النجاح والاستمرارية، كما هو الحال في الأعمال الكلاسيكية الكبرى.
تأتي مشاركة دار الإفتاء المصرية بجناح خاص في المعرض تأكيدًا لدَورها المؤسسي في الإسهام ببناء الوعي الرشيد، وترسيخ القيم الدينية والفكرية القادرة على التعامل الواعي مع التحديات المعاصرة، من خلال تقديم خطاب علمي منضبط، ومحتوى معرفي يوازن بين الثوابت الدينية ومتغيرات الواقع، ويستهدف مختلف الفئات العمرية، بما يعزز قدرتهم على الفهم والتمييز، ويُسهم في حماية الوعي المجتمعي من التضليل والتشويه.

