رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

في خضم الزَّخَم الثقافي الهائل الذي يشهده معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026م، والذي يعد بحقٍّ عُرْسًا فكريًا ينتظره الملايين، لم يكن جناح دار الإفتاء المصرية مجرد مشاركة بروتوكولية أو مساحة لعرض الكتب، بل تجَلَّى كمنارة فكرية متكاملة، ونقطة جذب محورية تعكس رؤية مستنيرة وجُهْدًا مؤسَّسيًّا دؤوبًا في تجديد الخطاب الديني ومواجهة تحديات العصر بوعي وثقة.


لقد شهد الجناح هذا العام حضورًا استثنائيًا وتأثيرًا ملموسًا، يقف خلفه رؤية واضحة يقودها فضيلة المفتي، الأستاذ الدكتور نظير عيَّاد، الذي نجح في نقل الدار مِن كونها هيئة لإصدار الفتاوى الفردية إلى مؤسسة فكرية شاملة تتفاعل مع نبض المجتمع وتساهم بفاعلية في تشكيل وعيه.


كان تأثير فضيلة المفتي جليًا في كل تفصيل من تفاصيل الجناح؛ بدءًا مِن الفلسفة التي حكمت اختيار الإصدارات وتصنيفها، فبدلًا مِن الاقتصار على الكتب الفقهية التخصصية الموجهة للباحثين، حَرَصت الدار على تقديم "مائدة فكرية" متنوعة تخاطب كل فئات المجتمع وأعماره. 


برزت في هذا السياق "موسوعة الرد على المتطرفين" كحصن فكري منيع، وإصدارات "مركز سلام" التي تُفكِّك الفكر المتطرف بأسلوب علمي رصين. 


وبجانبها وُجدت سلاسل مبسطة ومصورة للأطفال لغرس القيم الدينية والأخلاقية بأسلوب محبب، وكتيبات موجهة للشباب تعالج بجرأة ووضوح قضايا العالم الرقمي، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتحديات النفسية المعاصرة من منظور إسلامي مُتَّزن.
هذا التنوع المنهجي لم يكن عشوائيًا، بل عكس فهمًا عميقًا لمتطلبات الواقع، وإدراكًا حقيقيًا بأن الخطاب الديني يجب أن يكون حاضرًا في كل مناحي الحياة، من أصغر شأن أسري إلى أعقد قضية تكنولوجية.


ولم يقتصر دور الجناح على كونه "مكتبة صامتة"، بل تحول، بفضل توجيهات فضيلة المفتي إلى "منصة حوار" حية ونابضة بالحياة، فقد استضاف الجناح برنامجًا مكثفًا من الندوات واللقاءات الفكرية التي أدارها كبار علماء الدار وشباب باحثيها، مما خَلَق حالة من الحراك الفكري اليومي. 


تناولت هذه الندوات موضوعات جريئة ومهمة، مثل: "تجديد الفكر الإسلامي"، و"حقوق المرأة في الإسلام"، و"بناء الوعي الوطني"، والأهم من ذلك أنَّ هذه الندوات لم تكن محاضرات تقليدية أحادية الاتجاه، بل كانت مساحات تفاعلية مفتوحة للأسئلة الشائكة والنقاشات الصريحة، مما أتاح للجمهور وخاصة الشباب الذين توافدوا بكثافة فرصة التحاور المباشر مع العلماء وتفنيد الشبهات التي تُروِّج لها جماعات التَّطرُّف، والحصول على إجابات شافية بلغة يفهمونها ويستوعبونها.


ولا يمكن أن يتحقَّق هذا النجاح برؤية فردية فقط، بل هو نتاج عمل فريقٍ متكاملٍ من العلماء والباحثين والإداريين الذين اعتمد عليهم فضيلة المفتي في ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس. 


ولقد كان مِن أبرز نماذج هذا الجُهْد: الدور الحيوي الذي قام به فضيلة الدكتور أيمن أبو عمر، إلى جانب فريق المركز الإعلامي بالدار، فقد كانوا مع بقية زملائهم شعلة من النشاط، سواء في الإشراف على الندوات وتنظيمها، أو في التغطية الإعلامية الاحترافية، أو في التواصل المباشر مع الجمهور. 


فهذا التناغم بين القيادة الحكيمة والفريق الكفء هو السر وراء الحيوية والفاعلية التي تميز بها جناح الدار.


إنَّ ما قدمته دار الإفتاء في معرض القاهرة الدولي الكتاب 2026م هو نموذج عملي لما يجب أن يكون عليه الخطاب الديني الجديد في "الجمهورية الجديدة"؛ خطاب لا يخشى السؤال، ويحتضن الحوار، ويُقدِّم الحلول، ويستخدم كل الأدوات الممكنة، من الكتاب المطبوع الأنيق إلى الندوة التفاعلية الحية، ليصل إلى عقل وقلب المواطن. 


لقد أثبت جناح الدار أنَّ المؤسسة الدينية حين تمتلك رؤية واضحة وقيادة حكيمة، قادرة على أن تكون لاعبًا أساسيًا ومُؤثِّرًا في تشكيل الوعي الجمعي، وبناء ثقافة مجتمع مستنير وآمن، قادر على مواجهة تحديات المستقبل وهو مسلح بقيم دينه الراسخة وفهم صحيح لتراثه العظيم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء