العديد من التحولات البنيوية عصفت بأولويات الدول الوطنية، وهيكل التحالفات التقليدية، ومجمل توزانات القوة بالشرق الاوسط . مما إنعكس بصورة أكثر عمقا على التحول فى مسألة السلام بالدول المأزومة بالمنطقة عامة، والسلام الفلسطيني الاسرائيلي بشكل خاص. إذ على الرغم من كون تلك القضية لم تكن مركزية بالنظام الاقليمي التقليدية لفترات طويلة، إلا أنه اُعيد ترتيبها كأولوية حيوية أضفت مزيدا من التعقيدات على جوهر الهندسة الإقليمة للمنطقة، وآليات إدارة السلام الإستراتيجي وفقا للمنظورين العربى والإسرائيلي.
تحولات الإقليم:
أَفضت موجات الإحتجاجات العربية منذ عام 2011 إلى تغيرات كبيرة ببعض الدول العربية إنعكست بشكل مباشر على مُجمل العلاقات الإقليمية، وكذلك ساهمت فى عدد من المشاهدات السياسية والأمنية ، أبرزها:
تراجع أدوارالدول الوطنية: إذ ساهمت الهشاشة الداخلية بالدول المأزومة سياسيا فى صعود ما عُرف بالفواعل من دون الدول، والتى عمدت إلى تغذية الإنقسامات الأهليه والطائفية والجهوية، فضلا عن بروز الميليشيات العابرة للحدود، والتنظيمات المسلحة، مما ساعد فى إضعاف الهيكل التقليدي للنظام الإقليمي القائم آنذاك، والدفع بفرض تسويات مغايرة تماما لثوابت التصورات العربية، ومنها التسوية الصراع العربى (الفلسطيني) مع إسرائيل.
إعادة تعريف مهددات الإقليم الشرق أوسطى: أفضت التغيرات السياسية والأمنية فيما بعد 2011 أهمية إعادة تقييم طبيعة التهديدات الداخلية والخارجية للدول الوطنية، ومنها: مسألة التمدد الإيرانى، حالة الإرهاب العابر للحدود، مسألة التطبيع وقياسات عدم الإستقرار الداخلى خاصة بدول الإتفاقات الإبراهيمية. فضلا عن علاقات اقتصادية واستراتيجية معقدة.
تعددية الاقطاب بالإقليم: ظهرت أدوارمتباينة فواعل إقليمية صاعدة، وفى مقدمتها تركيا وإيران، مع تنامى نمط إعادة التموضع التنافسى لبعض القوى الدولية التقليدية كروسيا والصين، مقابل التراجع النسبى للتأثير الأمريكي، التحول من النزاع العسكري التقليدي إلى "جغرافيا نفوذ" جديدة، مما خلق بيئة تفاوضية مضطربة تفتكر إلى توازنات دولية رادعة تفرض أطر التسوية لكافة الملفات العالقة سياسيا وأمنيا بالمنطقة .
مأزق السلام الإسرائيلي:
الدولة الإسرائيلية مجرد دولة وظيفية تتغير تحركاتها وفق مسار التحولات التي يشهدها النظام العالمى. مما يعني أن حاجة إسرائيل للسلام مع العرب اليوم أكبر بكثير في الحقيقة من حاجة العرب إليه فى ظل فك الإرتباط لالآحادية القطبية والإتجاه نحو التشكيلات التعددية. وبرغم ذلك، لازال "مأزق السلام" يُعمق بشكل واضح مع غياب الحافز الاستراتيجي على كافة المستويات، وذلك من خلال :
تحولات الداخل الإسرائيلي: جراء التشابكات الداخلية لم تعد تل أبيب ترى كُلفة عالية لإستمرار حالة الصراع القائم دون حل، بل أن هناك العديد من المكاسب الميدانية وإتساع بالمخططات الإستيطانية نتيجة لحالة عدم الحسم . فضلا عن عدد من المتغيرات التى ساهمت فى عميق "مأزق السلام"، أبرزها: صعود اليمين القومي والديني، تآكل معسكر السلام، توظيف الصراعات السياسية الداخلية كتهديد وجودي،...إلخ
تحول أولويات الإقليم: لم يعد "السلام" أولوية إقليمية مع تراجع الدعم العربي الرسمي المشروط بالسلام الشامل، خاصة مع إستمرار "نهج التطبيع" من جانب عدد من الدول العربية مع الجانب الإسرائيلي دون أدنى مقابل للمعادلة الفلسطينية ومستقبل حسم الصراع بالمنطقة ككل، إذ أصبح هناك تصاعد بالتوجهات الشرق أوسطية لعدد من الدول أكثر ميلا لإدارة الصراع القائم دون الحسم المباشر حفاظا على أجنداتهم الخاصة. فضلا عن حالة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني الذى ساهم فى إضعاف "القدرة التفاوضية" لأبعاد التسوية ومسألة السلام.
تحولات النظام الدولى : تحول الخطاب الدولى تجاه القضايا الصراعية بالشرق الأوسط إلى خطابات مزدوجة التوجيه ذات صياغات مرنه دون حسم، فعلى سبيل المثال: تحول التوجه الدولى تجاه القضية الفلسطينية من قضية حل الدولتين والإعتراف الأممى بدولة فلسطينية ذات سيادة على حدود 1967، إلى ملف إنساني ذو أبعاد أمنية. إذ لم تعد "قضية السلام" مشروعًا دوليا جادًا ولا خيارا سياسيا لإسرائيل وحلفائها بالوقت الراهن.
وعلية .. فإن تحقيق السلام في الشرق الأوسط يتطلب إرادة سياسية قوية، وتعاون بين جميع الأطراف، ودعم من المجتمع الدولي. فالأمر لازال بحاجة إلى رؤية شاملة واستراتيجيات طويلة الأمد قائمة على محورين، الأول: انتقال الشرق الأوسط من صراعات "الغلبة" إلى نهج "الشراكة"، والثانى : الوعى التام بأن السلام لن يُفرض من "الخارج"، بل يُصنع من "الداخل".