مدحت نافع: عوامل محلية ودولية وراء انخفاض إنتاج الغاز الطبيعي
قال الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن ملف الطاقة وعلى رأسه الغاز الطبيعي، يعد أحد أكثر الملفات الاستراتيجية أهمية في الدولة المصرية، في ظل سعي مصر المستمر للتحول إلى مركز إقليمي ودولي لتجارة وتداول الطاقة، سواء التقليدية أو النظيفة، مشيرًا إلى أن هذا الملف يخضع لمتابعة دقيقة من الحكومة والبرلمان مع بداية عام جديد وتشكيل برلماني جديد، موضحًا أن الجدل المثار حول تراجع إنتاج الغاز منذ عام 2021 يحتاج إلى قراءة علمية هادئة تستند إلى الأرقام والوقائع، بعيدًا عن المعلومات المغلوطة أو غير الدقيقة، حيث أن هناك بالفعل انخفاضًا في الإنتاج، لكنه ناتج عن مجموعة معقدة من العوامل المحلية والإقليمية والعالمية.
أسباب التراجع بين العوامل العالمية والإقليمية
وأضاف نافع، خلال مداخلة على فضائية المحور، أن أزمة كوفيد-19، وما تبعها من تعافي اقتصادي عالمي، تسببت في ضغط غير مسبوق على مصادر الطاقة، كما أسهمت الحرب الروسية الأوكرانية في تعقيد المشهد، خاصة مع ارتفاع الطلب الأوروبي على الغاز بعد تراجع الإمدادات الروسية، مضيفًا أن التطورات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب في غزة، أدت إلى اضطراب إمدادات غاز شرق المتوسط التي كانت تصل إلى مصر بشكل منتظم، وهو ما أثر على منظومة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، رغم أن الهدف الأساسي من هذه الإمدادات كان إعادة التصدير لأوروبا.
وأوضح أن جزءًا من التراجع يعود لعوامل محلية، أبرزها الضغوط المرتبطة بتأخر مستحقات الشركاء الأجانب، ما أثر على خطط الحفر والاستكشاف الجديدة، خاصة في الحقول الكبرى مثل حقل ظهر، لافتًا إلى أن بعض الآبار تعرضت للإجهاد، بينما يتطلب حفر آبار جديدة فترات زمنية تمتد من ثلاث إلى أربع سنوات، وهذا التراجع التراكمي لم يكن مفاجئًا، لكنه نتاج سنوات من غياب التخطيط المتكامل لإدارة الطاقة، وعدم وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع فترات الفائض والعجز بشكل مستدام.
تحسن وتيرة التراجع منذ منتصف 2024
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن البيانات الرسمية تظهر تحسنًا ملحوظًا في وتيرة التراجع منذ يوليو 2024، حيث انخفض معدل التراجع من نحو 80 مليون قدم مكعب يوميًا إلى ما يقارب 19 مليون قدم مكعب، ما يعكس بداية استقرار نسبي في الإنتاج، موضحًا أن هذا التحسن تزامن مع تولي الحكومة الجديدة ووزارة البترول الحالية، إلى جانب تنفيذ عمليات إعادة تأهيل لنحو 700 بئر، وحفر نحو 160 بئرًا جديدًا، وهي خطوات مهمة لكنها لا تعطي نتائج فورية.
وأكد أن تحليل الأزمة لا يكتمل دون النظر إلى جانب الاستهلاك، مشيرًا إلى أن الطلب على الغاز ارتفع بشكل كبير نتيجة النمو السكاني، وزيادة الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء، فضلًا عن التوسع الصناعي والهجرة الوافدة، والتغيرات المناخية التي جعلت فصول الصيف أكثر قسوة، موضحًا أن قطاع الكهرباء وحده يستهلك نحو 60% من إنتاج الغاز، بينما تعتمد الشبكة القومية للكهرباء بنسبة تصل إلى 82% على الغاز الطبيعي، ما يجعل أي خلل في الإمدادات ينعكس مباشرة على استقرار الشبكة.
إدارة الأزمة دون اللجوء لقطع الكهرباء
ولفت إلى أن الحكومة الحالية اختارت إدارة الأزمة بدلًا من تحميل المواطنين تبعاتها، عبر تجنب قطع الكهرباء، لما لذلك من آثار سلبية على الاستثمار والسمعة الاقتصادية للدولة، مؤكدًا أن اللجوء إلى استيراد الغاز المسال وسفن التغويز كان حلًا اضطراريًا مكلفًا لكنه ضروري، حيث أن استيراد الغاز المسال يرفع التكلفة إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف الغاز المنقول عبر الأنابيب، فضلًا عن تكلفة التغويز، إلا أن هذه الخطوة ساهمت في الحفاظ على استقرار الشبكة وتجنب سيناريو صيف مظلم.
وشدد على أهمية تنويع مصادر الغاز وعدم الاعتماد على مصدر واحد، سواء في الإنتاج أو الاستيراد، مؤكدًا أن التعاقدات في أوقات الأزمات تخضع لاعتبارات سياسية واقتصادية وسرية تجارية، ولا يمكن تقييمها بمعزل عن السياق العام، لأن الإفصاح المبالغ فيه خلال الأزمات قد يضر بالموقف التفاوضي للدولة، مشيرًا إلى أن إدارة المخاطر تختلف تمامًا عن إدارة الأزمات، حيث تكون البدائل محدودة والتكلفة أعلى.

