رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن إعلان الاتحاد الأوروبي تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمةً إرهابية مجرد خطوة قانونية أو تعبير عن غضب سياسي عابر، بل مثّل تحولًا عميقًا في مقاربة أوروبا للصراع مع إيران، ونقطة فاصلة أنهت مرحلة المنطقة الآمنة التي طالما حاولت بروكسل التحرك داخلها بين واشنطن وطهران. فبهذا القرار، انتقل الاتحاد الأوروبي من موقع الوسيط المتردد إلى موقع الطرف المنخرط في معادلة الضغط والردع، واضعًا الحرس الثوري، أحد أعمدة النظام الإيراني، في خانة العداء المباشر.

هذا التحول الأوروبي يحمل دلالات تتجاوز إيران ذاتها. فهو يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن سياسة الاحتواء والدبلوماسية البطيئة لم تعد كافية لضبط سلوك طهران الإقليمي، ولا لاحتواء تداعيات تمدد أذرعها العسكرية غير النظامية، سواء في الممرات البحرية أو ساحات الصراع المفتوحة في الشرق الأوسط. كما يعكس، في الوقت ذاته، اصطفافًا أوروبيًا أوضح مع المقاربة الأمريكية القائمة على تنفيذ استراتيجية الضغوط القصوى على النظام الإيراني، وإدراكهم أنه يمر بأضعف حالاته منذ قيام الثورة الإيرانية.

في هذا السياق المشحون، جاء إعلان قائد الحرس الثوري الإيراني حالة الطوارئ والاستعداد الكامل للحرب كرسالة مضادة، لا يمكن فصلها عن القرار الأوروبي. فالإعلان لا يعبّر بالضرورة عن نية فورية لخوض حرب شاملة، بقدر ما يعكس ردًا دفاعيًا على شعور متزايد داخل طهران بأن نطاق الخناق الدولي يضيق، وأن أدوات المناورة التقليدية لم تعد تعمل بالفاعلية نفسها، ولم يعد هناك متسع من الوقت.

فداخليًا، يخدم إعلان الطوارئ أهدافًا سياسية واضحة تتمثل في إعادة إنتاج خطاب التهديد الخارجي لتوحيد الجبهة الداخلية في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة. أما خارجيًا، فهو يندرج ضمن استراتيجية الردع الوقائي، الهادفة إلى إيصال رسالة مفادها أن أي محاولة لاستهداف إيران ستؤدي إلى توسيع ساحة الصراع وتحويله من مواجهة محدودة إلى نزاع متعدد الساحات.

غير أن المفارقة الأساسية تكمن في أن هذا التصعيد المتبادل يحدث في بيئة دولية غير مواتية لإيران. فروسيا، ورغم الشراكة الاستراتيجية، منشغلة بأولوياتها الكبرى، والصين تتعامل بحذر مع أي تصعيد يهدد استقرار أسواق الطاقة، بينما أغلق القرار الأوروبي آخر الأبواب السياسية التي كانت طهران تراهن عليها لتخفيف الضغط الأمريكي. وبذلك، تجد إيران نفسها أمام واقع جديد لا يتيح لها ترف التصعيد غير المحسوب، ولا يسمح لها في الوقت ذاته بالعودة السلسة إلى منطق التسويات.

من جهة أخرى، تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها أن دفع إيران إلى الزاوية يحمل مخاطر لا تقل خطورة عن تركها دون ردع. فأي مواجهة عسكرية، حتى وإن كانت محدودة، تهدد بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل القواعد العسكرية، والممرات البحرية الحيوية، وأسواق الطاقة العالمية، في لحظة يعاني فيها النظام الدولي من هشاشة غير مسبوقة. ولذا تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى التجهيز لضربة قاتلة تضمن معها عدم قدرة إيران على الرد، وهو الأمر الذي لا تستطيع التأكد منه حتى الآن.

وعليه، فإن ما يحدث ليس ترجيح سيناريو الحرب، بقدر ما هو انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خشونة وأقل قابلية للضبط. مرحلة تتراجع فيها قنوات الاتصال، ويعلو فيها الخطاب العسكري، وتزداد فيها احتمالات سوء التقدير، في ظل هشاشة أمن الممرات البحرية واضطراب أسواق الطاقة.

وفي هذا الواقع المضطرب، يمكن رصد مسارين متوازيين لمواقف الدول: مسار يسعى إلى احتواء التصعيد وإدارة الأزمة، وآخر يدفع باتجاه فرض وقائع جديدة بالقوة.

يمثل المسار الأول مجموعة من الدول الإقليمية والدولية التي تدرك الكلفة الباهظة لأي مواجهة شاملة. فقد أعادت كل من سلطنة عُمان وقطر تفعيل أدوارهما التقليدية كقنوات اتصال غير معلنة، مستندتين إلى رصيد طويل من الثقة المتبادلة مع طرفي الصراع. أما مصر والسعودية، فتنطلقان من منظور استراتيجي أشمل، قوامه أن استقرار الخليج والبحر الأحمر يشكل ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر حرصهما على الدفع باتجاه مقاربة الاحتواء ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

في السياق نفسه، تتحرك تركيا انطلاقًا من اعتبارات أمن قومي مباشرة، خشية أن يؤدي تفجر الأوضاع إلى موجات عدم استقرار جديدة في جوارها الإقليمي. بينما تنظر روسيا إلى الملف الإيراني من زاوية توازن القوى الدولي، باعتباره أحد مفاتيح الحد من الهيمنة الأمريكية الكاملة على الإقليم.

في المقابل، يبرز التحول الأوروبي كأحد أبرز سمات المشهد في عام 2026. فقد انتقلت دول الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا، من موقع الوسيط الحذر إلى تبني مقاربة أكثر صدامية. ويعكس قرار تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية تراجعًا واضحًا في الرهان على المسار الدبلوماسي، ويغلق قنوات التواصل السياسي مع طهران. وفي ظل الضغوط الإسرائيلية المتزايدة والدعوات الأوروبية لتبني سياسة ردع قوية، ترى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مجبرة على اتخاذ خطوات أكثر حسمًا، غير أن أي تحرك عسكري، حتى لو كان محدودًا، يحمل مخاطر اتساع الصراع ليشمل القواعد الأمريكية ومصالح الطاقة، بما يهدد بإشعال أزمة دولية واسعة النطاق.

ما أود قوله هنا، أن المواجهة الأمريكية-الإيرانية المؤجلة تتجاوز كونها صراعًا ثنائيًا، بل مواجهة قد تمتد آثارها إلى دول المنطقة والعالم. وبينما تسعى بعض القوى إلى إدارة الصراع ومنع انفجاره، يبدو أن منطق الولايات المتحدة الأمريكية أصبح هو محاولة فرض الوقائع بالقوة، ما يجعل هذه المواجهة مفتوحة على سيناريوهات شديدة التعقيد، تتطلب مقاربات عقلانية توازن بين الردع والاستقرار، لا المغامرة والانفجار.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء