«إن ضعف الطفولة، وضرورة حمايتها ورعايتها وتعليمها على مرّ السنين، يشكّل بلا شك أحد العوامل العظيمة في المجتمع؛ فبدون المجتمع، في الواقع، لن تكون هناك طفولة، وبالتالي لن يكون هناك رجال!»
جون ديوي
انطلاقًا من تلك المقولة التي تُظهر للداني والقاصي مدى انحياز ديوي ومناصرته للطفولة، وكأنه يريد ردّ الاعتبار لمفهوم الطفولة الذي هُمِّش في مخيلة وفكر البعض من المفكرين، حيث صار ليس بالأولوية لديهم الجنوح إليه إلا إشارة عابرة، وكأنها مرحلة ليست بذات الأهمية في تشكيل الإنسان؛ لذا لُقِّب جون ديوي بفيلسوف الطفولة بدرجة كبيرة، حيث ظل يراوده ضعف مرحلة الطفولة وحمايتها أثناء عرضه لأفكاره التربوية؛ لذلك عمل جاهدًا على صهر الطفل داخل المجتمع بغرض الانتقال من حالته الطبيعية إلى حالته الاجتماعية.
أما فيما يتعلق بطريقة جون ديوي في تدريس وتربية الأطفال، فيقول ديوي: يجب أن يكون كل التدريس بمثابة استجابة، أي أن يبدأ من الأسئلة الفكرية والعاطفية التي يطرحها الطلاب على أنفسهم. ومع ذلك، فإن جدلية السؤال/الجواب هذه تتحقق بشكل ملموس في العمل الذي يقوم به الطلاب في التعاون كفريق، هنا يسأل الطلاب أنفسهم المشكلات التي لا يمكنهم حلها (يقصد الأطفال) إلا بفضل المعرفة العلمية أو غيرها؛ فهم يهتمون بالبرامج لأنهم في حاجة إليها، ويجتهدون في التعلم، لا للحصول على مكافأة، بل للقيام بعملهم؛ إنها تحفزهم لأنهم «يعبرون عن أنفسهم من خلالها»...
ونستنتج من مقولة ديوي السالفة الذكر الطريقة التي يقترحها في تدريس وتربية الأطفال، وهي كالآتي:
أولاً: يجب تجاوز تلك الرغبة المباشرة والجهد القسري والحافزية أو الدافعية للتعلم، ذلك لأن هذه الدوافع التعليمية قاصرة ومحدودة، وتتسم بالسطحية، ولا يمكن الانطلاق منها لحث المتعلم على التعلم، ذلك أن الاعتماد عليها قد يوصلنا إلى باب مغلق، بل بالعكس تمامًا، يمكن أن يؤدي هذا إلى نفور المتعلمين من التعلمات!
ثانيًا: يجب على المعلم أن يثير الاهتمام الحقيقي في المتعلم، لهذا ينصح ديوي المعلم بضرورة الإحاطة بعلم النفس التربوي، هذا الاطلاع سيجعل منه خبيرًا بطرائق وآليات التنشيط، خاصة عندما يعتمد على المقاربة التشاركية التي تعمل على إشراك المتعلم في بناء التعلمات، بغض النظر عن البحث عن الرغبات الزائلة والجهود الفارغة.
ثالثًا: الانطلاق من أسئلة المتعلم، بغض النظر عن طبيعة الأسئلة سواء كانت فكرية أم ذهنية أم عاطفية وجدانية، فما هو مهم جدًا بالنسبة له، هو اكتشاف الأسئلة التي يطرحها المتعلمون حول الدرس، لهذا نجده يركز كثيرًا على هذه التقنية، فقد جعل منها طريقة فعالة للتدريس، حيث إنه يجب على المعلم أن يُسيِّر الدرس وفق سؤال/جواب، كما يفضل العمل الجماعي على العمل الفردي، وكأنه يحث على العمل التعاوني، حيث يتعاون المتعلمون بعضهم مع بعض بغرض بناء الدرس.
رابعًا وأخيرًا: عندما يطرح المتعلمون الأسئلة، يكتشفون أنه لا يمكن الإجابة عن تلك الأسئلة إلا بواسطة المعارف العلمية، من هنا تصبح لديهم تلك الحافزية للمقررات الدراسية التي تحتوي المعارف، هذه الأخيرة تشكّل إجابات عن تلك الأسئلة التي تجول بذهن المتعلم.
ختامًا..... انطلاقًا من الأفكار أعلاه، نصل إلى أن الطريقة التي يدافع عنها جون ديوي في تدريس وتعليم الأطفال، تركز على قدرة المعلم في الوصول إلى الأسئلة العالقة في ذهن المتعلم حول المضمون الذي يرغب في إنجازه، ذلك أن طرح المتعلم لتلك الأسئلة يجعله في حالة شغف وإلحاح إلى الإجابة عنها وحلها، لذلك يشعر برغبة جادة في الوصول إلى الجواب، هذا ما يجعله يثمّن تلك المعارف العلمية وينظر في قيمتها، فضلًا عن أن هذه المعارف هي ما دائمًا تحفزهم، بل تظل نبراسًا لهم وجهدًا مبذولًا منهم يطالعهم بل ويثقل معارفهم وشخصياتهم، بمعنى أن تلك المعارف تصبح بمثابة مرآة وهوية للنظر من خلالها إلى ذواتهم واكتشاف حقيقتها!.. ولعظيم أفكار ديوي الفلسفية التربوية نعود إليه مجددًا في مقال قادم.