نستكمل استعراض بعض مواقف التائبين المذكورة بالقرآن الكريم، والتي لم ننتبه إليها.
الموقف الثالث: إخوة سيدنا يوسف
لقد ارتكبوا كبيرة باتفاقهم على قتل أخيهم، (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴿٩﴾ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴿١٠﴾)، وتم لهم ما أرادوا، والتقطه بعض السيارة وأخذوه إلى مصر وباعوه بثمن بخس.
متى حدثت التوبة؟ لما وصلوا لأخيهم وهو عزيز مصر، وعرفهم وعرفوه، اعترفوا أمامه في نفس اللحظة وبمنتهى الوضوح بخطئهم، (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴿٩١﴾). لقد استطاعوا أن يعلوا على الأنا واعتزاز الإنسان بنفسه ولو كان على خطأ، تجاوزوها واعترفوا أن الله فضّله عليهم، وهذا أمر صعب على النفس ولا يستطيعه إلا من لديه القدرة على رؤية الحقيقة كاملة، ثم لا تمنعه نفسه من إعلانها. إنها التوبة النصوح الناصعة.
لقد كان من الممكن أن تأخذهم العزة بالإثم ويرفضون الاعتراف بالخطأ، ويستطيعوا أن يقولوا مثلًا: (ده أنت إللي اتزحلقت ووقعت في البير.. محدش جه جنبك.. وحاولنا نطلعك معرفناش.. نعمل إيه يعني..).
أو ممكن يجعلوا أباهم هو الغلطان: (حب أبونا الزايد ليك ضغط علينا، وهو إللي خلانا نعمل كده..).
العديد من الأعذار كان من الممكن أن يردوا بها حتى لا يعترفوا بخطئهم، لكنهم اعترفوا سريعًا وبوضوح. إن مثل هذا الاعتراف في حاجة لصفتين إيمانيتين، لن يفعله إلا من يتصف بهما، إنهما الصدق والتواضع.
إن الإنسان الذي يتصف بالكذب من الصعب عليه أن يعترف بالخطأ، والذي يتصف بالكبر يستحيل أن يعترف بالخطأ. إن هؤلاء الإخوة، وإن كانوا سقطوا في امتحان تقدير حب أبيهم لأخيهم الصغير، إلا أنهم نجحوا في امتحان ظهور الحقيقة واعترافهم بذنبهم، فسارعوا بالاعتراف والتأسف وطلب المغفرة.
الموقف الرابع: صاحب الجنتين بسورة الكهف
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾).
ذكر لنا ربنا قصة قصيرة لرجلين، أحدهما يملك جنتين، ولنا أن نتخيل جمالهما وغناهما وكثافتهما، مزرعتان سماهما ربنا جنتين. لكن هذا الرجل أخطأ خطأً فادحًا، لقد استكبر على صاحبه بما لديه مما أنعم الله عليه من مال وولد، (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿٣٤﴾).
واعتقد دوام هاتين الجنتين حتى الساعة، لن تقوم عليهما ولن تؤثر فيهما، وإن حدث، فسوف يكون له عند الله خيرٌ منها، (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا ﴿٣٦﴾).
لقد استكبر بماله وولده، لقد رأى لنفسه قدرة ذاتية على إيجاد المال والبنين، ولم يرجعها لله تعالى الخالق، فهو بذلك كفر بالخالق الذي خلقه من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلًا، فكيف يعتقد في نفسه ذلك وهو مخلوق.
ثم تألّى على الله عندما حكم فيما لا يملك، حكم فيما هو لله تعالى وحده، فأعلن أن هذه الجنة لن تقوم عليها القيامة، بمعنى أنه لن يمسها سوء أبدًا، ثم أعلن أنه إن حدث ذلك، فإن له في الآخرة خيرًا منها. لقد أشرك بالله تعالى عندما أشرك نفسه فيما هو لله تعالى وحده، ووضع نفسه ندًا لله تعالى يحكم ويقرر.
وقد نبهه صاحبه لما يقع فيه من كفر وشرك، (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾ لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا).
ثم جاءت رسالة الله تعالى لكي ينقذه مما أوقع نفسه فيه، (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا..)، فتم إهلاك الجنتين بالكامل، وبلغ أقصى درجات الندم والتأسف والتحسر على ما أنفق فيها من مال ومجهود، لكن وصلته الرسالة وفهمها، (.. وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾). لقد عرف وفهم واعترف بوضوح بما فعل، لقد أشرك نفسه مع الله تعالى فيما يخصه وحده من الخلق والإيجاد والحكم، وندم على ذلك.
ولكي نتخيل قيمة هذه التوبة وهذا الإعلان منه، يمكننا أن نتصور مجموعة من أغنى الأغنياء، في قمة الغنى والكبر والتفاخر، ثم حدثت شدة أذهبت بكل ما يملكون، كم منهم سيعلم حقيقة الخطأ الذي ارتكبه، وسيحدث نفسه به ويندم عليه ويتوب.
إنها توبة رائعة تعلمنا منها توحيده تعالى وفهم صفاته والعمل بها، فالله تعالى هو وحده الخالق، وهو الباقي، وهو الحكم. لقد أخطأ فيما اعتقد، فأساء وأشرك وكفر، بينما الاعتقاد السليم يجعل الحياة تستقيم على سنن الله تعالى، وتجعلها حياة طيبة في الدنيا والآخرة.
فشكرًا لكل من تعلمنا منهم كيف تكون التوبة، إنها اعتراف بالذنب بوضوح ومباشرة دون إيجاد أعذار لا تنتهي، ويقبل الله تعالى التوبة ويعوض صاحبها خيرًا. والتوبة تأتي عندما يكون عند الإنسان ملف سابق من العلم بالله تعالى وأفعاله وقوانينه وسننه، وهي من أجلّ الأعمال التي يزكي بها نفسه، والتي لا بد أن يصاحبها خشوع وندم ورغبة حقيقية دائمة في الإصلاح.
يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿٢٥﴾ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴿٢٦﴾) الشورى.