محامي السيجار والضرائب !
راح أحمد الخواجة.. وربما كان أشهر نقباء المحامين في تاريخ مصر. يُذكر وهو يخطب في إحدى المناسبات الوطنية التاربخية - وعرف وفدياً وكافة القوي السياسية ممثلة علي المنصة - أسماء زعماء مصر، وصادف ـ أو تعمّد ـ أن يكونوا كلهم من زعماء ما قبل ثورة يوليو.. وفجأة انقلبت القاعة بمن فيها على من فيها بالهتاف لاسم جمال عبد الناصر، وطالبوه، من في القاعة، بتركه للمنصة وخروجه من قاعة الاحتفالات.. حاول باقي المتحدثين تهدئة القاعة، ولم تهدأ إلا بعد اعتذار الخواجة، وبكل تواضع أمسك بالميكرفون وقال إنه لم يقصد تجاهل اسم عبد الناصر، الذي هو محفور في تاريخ مصر!
لم يستكبر الرجل ولم يكابر.. وكانت إن شاءت السياسة أن دخلت مكاتب كبار محامي البلاد.. حتى قبل العمل بالصحافة؛ منهم المفكر القومي الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة، وله مؤيدون يحملون اسمه في عديد من البلاد العربية، خاصة تونس، يُطلقون عليهم «العصمتيين». وكنت بصحبة نجاد البرعي، المحامي الكبير، وزرت الأخير، ومكتبه عريق بالوراثة عن السيدة الفاضلة والدته.
وكانت من أوليات المحاميات في مصر.. وزرت النقيب الكبير سامح عاشور، والمحامي الكبير الراحل سيد عبد الغني، أمين صندوق النقابة، ود. ثروت الخرباوي، والمستشار محمد عبد الحكم، والمحامي الكبير إيهاب الخولي، والمستشار ضياء العطيفي، وغيرهم وغيرهم.. وكانوا جميعًا نماذج في التواضع والسلوك الراقي القويم.. حتى مع موظفيهم وعمالهم والسعاة لديهم.. لا يعرفون حراسًا شخصيين ولا فتوات ولا دوائر مغلقة حولهم في المناسبات، ولم يصدر منهم أي تعبير يفسر أو يُفهم منه أي درجة من التعالي على خلق الله.. بل العكس تمامًا!!
وهم من هم في عالم المحاماة والقانون!
بالأمس أحدهم يتباهى بأن سيجاره بخمسة آلاف جنيه، وأن جذوره غير ريفية! في محاولة لإنكار الانتساب للأرض الطيبة الطاهرة
السؤال.. هل تتابع الضرائب هذا المحامي؟!
ليس المطلوب طبعًا التحريض على المحامين، حاشا لله.. ولا التعميم الظالم.. ففيهم كثيرون ملتزمون، وأغلبهم ملتزمون.. يدفعون ما عليهم، ويؤدون واجبهم المهني والوطني بشرف.. فالمحاماة في مصر مهنة حرة.. وأصحابها ــ وفق القانون ــ يخضعون لضريبة الدخل شأنهم شأن الأطباء والمهندسين والمحاسبين. لا أحد فوق النص، ولا مهنة خارج المنظومة.. ودخل المحامي في بلادنا غير ثابت وغير مرئي.
لا راتب شهري، ولا فواتير ملزمة في كل قضية، ولا كشف حساب يمكن مراجعته بسهولة. قضية اليوم قد تدر آلافًا، وأخرى قد تدر ملايين.
ومن نقصده من المؤكد أن دخله بالملايين إذا كان ينفخ في الهواء في دقائق ما يكفي أسرة في الشهر طعامًا وشرابًا وسكنًا وعلاجًا وتعليمًا!! هل يحصلون منه حقوق الناس؟! أم أن حق الناس كدخان السيجار يذهب مع الريح؟!