رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

عملتُ في قطاع البترول من اليوم الأول لتخرّجي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كان ذلك في شركة خاصة تعمل في مجال توزيع الغاز الطبيعي؛ بعد ذلك انتقلتُ للعمل في شركة إكسون موبيل لفترة وجيزة، ثم انقطعت صلتي المهنية بالقطاع فترة طويلة، حتى ترأستُ الشركة القابضة الأكبر في مصر للصناعات المعدنية، والتي كان في محفظتها شركات تعمل في مجال التعدين والأسمدة، فكانت لي عودة إلى هذا القطاع من باب جديد.

 

 واليوم إذ أنتمي إلى مجلس إدارة غرفة الصناعات البترولية والتعدين في اتحاد الصناعات، فإن هذا يجعلني ذا صلة بالقطاع، وإن كان تعييني جاء من قبل وزير الصناعة؛ هذا التراكم منحني القدرة على ترسيخ قناعة عميقة عن أداء قطاع الطاقة في مصر، وهي أنها تدور في سلسلة من الفائض والعجز، سببها ضعف التخطيط، وتراجع القدرة على إدارة المخاطر والموارد الحرجة، وانفصال العمل الحكومي عن أدوات التحوّط المبتكرة التي يمكن أن تزن الكفة بشكل مستدام. 

 

المواطن الأربعيني غير المختص يمكن أن يتذكر فترات من انقطاع الكهرباء خلال الثمانينيات، ثم فترات من الاستقرار الطويل في التيار الكهربي وانتعاش الصناعات كثيفة الطاقة، ثم مخاوف عودة انقطاع الكهرباء مع تراجع بنية الكهرباء وضعف إنتاج الوقود مع بداية ثورة يناير، ثم استقرارًا ووعدًا بالتصدير، ثم أزمة جديدة.. وهكذا دون انقطاع.

عند الحديث عن "الطاقة" فإن كُلًّا من ملفات البترول ومشتقاته، والكهرباء (إنتاجًا وتوزيعًا)، والمياه يجب أن تكون حاضرة، بل إن كثيرًا من التجارب الدولية تميل إلى وضعها في وزارة واحدة لمنع التضارب والالتباس. وعلى الرغم من أن وزير البترول ليس رئيس المجلس الأعلى للطاقة، فإن وزارته تقف في أهم موقع من سلسلة الإمداد، إذ يعتمد قطاع الكهرباء في مصر على الغاز الطبيعي بشكل شبه حصري في إنتاج الكهرباء، والكهرباء هي المستهلك والمستنزف الأكبر للغاز الطبيعي في مصر، كما إنها تعتمد على المازوت، وتاريخيًا الفحم، لتعويض نقص الغاز في محطاتها.

الوزير الحالي للبترول والثروة المعدنية، المهندس كريم بدوي، تسلّم موقعه خلال دورة بائسة من عمر الطاقة في البلاد، دورة ذات عجز كبير، ترسّخت من ممارسات سابقة تأخّرت فيها الاستكشافات، وزاد فيها الاعتماد على مصادر أحادية لإنتاج الغاز (تحديدًا حقل ظهر)، وتخلّفت فيها البلاد عن سداد مستحقات الشريك الأجنبي نتيجة الشح الدولاري، فامتنع الأجانب عن حفر آبار جديدة في الحقول الواعدة للغاز الطبيعي، الأمر الذي كانت أماراته واضحة وماثلة في سرعة تدهور الآبار المحفورة التي بدأت تُخرج المياه، وتراجع مستقر في إنتاج الغاز الطبيعي خلال السنوات العشر الماضية، وزيادة الاعتماد على استيراد الغاز بصورة ملحوظة. 

 

وللأسف، فقد واكب هذه الدورة البائسة حربًا إقليمية حرمت البلاد من مصدر منتظم لغاز رخيص يأتي من حقول شرق المتوسط (بداية بغرض الإسالة والتصدير)، وكان يُعتمد عليه ولو مرحليًا لتعويض فترة العجز في الأجل القصير ولحين استعادة الاستكشافات والإنتاج. كذلك لعب تغيّر المناخ دورًا عنيفًا في الضغط على الكهرباء، خاصة في فصول الصيف التي شهدت أعلى معدلات حرارة تاريخية في عمر الكوكب.

إذًا أصبح الوزير، المطالب بداهةً بضبط الخلل التاريخي في ملف إنتاج الغاز كأهم مشتق بترولي تتمتع فيه مصر بطاقات متميزة، وزيادة اكتشافات البترول، وتحسين أوضاع الثروة المعدنية، وإجراء مسوح لم تحدث منذ 40 سنة… أصبح مطالبًا بإدارة أزمة ملحّة كانت تهدد البلاد بانقطاع الكهرباء خلال أشهر الصيف الماضي، وتعميق أثر العجز الدولاري لتوقّف تصدير المنتجات البترولية، وهي الرافد الأبرز لدولارات مصر من التصدير. وكما نعلم جميعًا فإن إدارة الأزمة هي البديل الوحيد لإدارة المخاطر التي كان يتعيّن على وزراء سابقين الاضطلاع بأعبائها قبل أن تنفجر الأزمات. كما أن إدارة الأزمة أعلى تكلفة بكل تأكيد من إدارة المخاطر، وأكثر عرضة للحيود المعلوماتي، لأنك في الأزمة تملك بدائل أقل، وتتاح أمامك أدوات أغلى ثمنًا وأقل مرونة.

 

وفي ظل هذه التحديات غير المسبوقة، كان الوزير بدوي هو الوحيد الذي تحمّل مسؤولية التعهّد العلني بعدم قطع التيار الكهربائي خلال أشهر الصيف شديدة الضغط، وهو تعهّد لم يكن سهل الوفاء به في سياق أزمة مركّبة. وقد أنجز الوزير هذا الوعد بالفعل، عبر مزيج شديد الحساسية من التخطيط الدقيق، والتنسيق المؤسسي، والتفاوض المعقّد، لتعويض نقص مزدوج في إمدادات الغاز الطبيعي نجم عن تراجع الإنتاج المحلي من جهة، وتوقّف إمدادات غاز الشرق من جهة أخرى.

 

واستلزم ذلك الاعتماد بدرجة كبيرة على استيراد الغاز الطبيعي المسال، رغم ارتفاع تكلفته التي تجاوزت أكثر من ثلاثة أضعاف تكلفة الغاز المتوقف من الشرق، ناهيك عن تكلفة وأعباء إعادة التغويز والضخ في الشبكات، وذلك في وقت شكّك فيه العديد من المحللين في قدرة الوزارة على تأمين الاحتياجات خلال أشهر الذروة، سواء بدعوى عدم جاهزية البنية الأساسية بالموانئ لاستقبال سفن التغييز العائمة، أو لغياب التعاقدات اللازمة، أو لمزيج من الأمرين. بل وذهب البعض إلى المراهنة الجازمة على فشل هذا المسار.

وعلى خلاف تلك التقديرات، نجحت الوزارة بهدوء في تأمين احتياجات السوق المحلية، حيث إن وجود سفن التغييز في حد ذاته يُعد إجراءً استباقيًا وضروريًا للحفاظ على أمن الطاقة القومي، لا سيما في ظل اضطراب الإمدادات من مصادر أخرى بالمنطقة. كما توفّر هذه السفن طاقات جاهزة تضمن استمرارية تغذية قطاعات الكهرباء والصناعة بالغاز، بما يدعم دوران عجلة الإنتاج ويحدّ من الآثار الاقتصادية للأزمة.

ولم يقتصر الأمر على استقدام السفن فحسب، بل تطلّب تجهيز أرصفة بالموانئ، ومدّ خطوط ربط مع الشبكة القومية للغاز، وإجراء تعديلات فنية على السفن ذاتها قبل التشغيل. وقد أعقب وصول السفن مراحل فنية إلزامية لا يمكن تجاوزها، شملت الاختبارات التشغيلية، وإجراءات السلامة، والربط بالشبكة، وتم إنجاز هذه المراحل بكفاءة وفي الأطر الزمنية المتاحة. في هذا، لو تأخرت السفن في العمل قليلًا لحين الانتهاء من التجهيزات، فذلك شرّ لا بدّ منه وتكلفة لا بدّ منها، خاصة أنه من غير المعقول الانتظار حتى انتهاء التجهيزات بالكامل ثم بدء الاتفاق أو استقدام السفن، سيما وأن أي تأخير يهدد بقطع الكهرباء بما في ذلك من تكاليف ضخمة تتجاوز حدود تعكير المزاج العام إلى الإساءة لمناخ الاستثمار وأمن الاقتصاد.

وعلى الصعيد التعاقدي، علمت أن الوزارة قد نجحت في تقليص الاعتماد على السوق الفورية قصيرة الأجل، التي لا يُلجأ إليها إلا في حالات الطوارئ أو الاضطرابات، مع الاتجاه في الأساس إلى عقود قصيرة ومتوسطة الأجل مع موردين متنوعين، إضافة إلى إبرام تعاقدات ممتدة حتى يونيو المقبل، والتوقيع مع دولة قطر وشركات عالمية وأمريكية، بما ساهم في تنويع مصادر الإمداد وتأمين الشحنات على مدى زمني أطول.

ويُؤكَّد في هذا السياق أن استيراد الغاز لا يُعد بديلًا عن الإنتاج المحلي، بل أداة مؤقتة لتنويع مصادر الإمداد ومواجهة التقلبات، وتعزيز دور مصر كمركز إقليمي لتداول وتجارة الغاز. كما أن استقدام الغاز من دول شرق المتوسط، مثل قبرص، يمثل ممارسة تجارية شائعة عالميًا، ولا يعكس ضعفًا في الإنتاج المحلي، إذ يستهدف في جانب منه إعادة التصدير عبر محطات الإسالة المصرية، بما يحقق قيمة مضافة وعائدًا اقتصاديًا. أما ما يتعلق بتوفير المازوت والسولار لمحطات الكهرباء، فهو حل مؤقت وضروري لضمان استمرارية تشغيل المنظومة خلال فترات الذروة، وتأمين وقود بديل عند الحاجة، ويتم ذلك في إطار تنسيق كامل مع وزارة الكهرباء.

وبذلك يتضح أن التحدي الحقيقي لم يكن في سرعة الحفر أو زيادة الإنتاج في الأجل القصير، بقدر ما كان في إدارة فجوة انتقالية متوقعة سلفًا، كان يُفترض أن تُدار بتكامل أوثق بين سياسات الغاز وسياسات الكهرباء والطاقة المتجددة.

بالفعل، أسهمت الجهود والتدخلات التي جرى تنفيذها على مدار العام ونصف العام الماضيين في احتواء الموقف والوصول إلى استقرار إنتاج الغاز الطبيعي، بعد فترة طويلة من التناقص المستمر. وقد تحقق ذلك من خلال حزمة تدخلات عملية استهدفت جوهر المشكلة الإنتاجية، شملت حفر آبار جديدة، وإصلاح وإعادة تأهيل آبار قائمة، بما أتاح حماية الإنتاج المحلي من مزيد من التراجع، وتثبيت معدلاته عند مستويات مستقرة.

وانعكس ما تحقق على الأرض بوضوح في خفض حدة معدل التناقص تدريجيًا وصولًا إلى مرحلة الثبات؛ فخلال عام 2024 كان معدل التناقص مرتفعًا على نحو لافت، متجاوزًا 80 مليون قدم مكعب يوميًا، بينما تراجع هذا المعدل خلال عام 2025 — نتيجة مباشرة للتدخلات المنفذة — إلى نحو 19 مليون قدم مكعب يوميًا فقط، قبل أن يبلغ مرحلة الاستقرار، تمهيدًا لبدء انعكاس التدخلات ذات الأثر الزمني الممتد على زيادة الإنتاج والدخول في مرحلة نمو جديدة.

ويدعم هذا المسار ما تم تنفيذه فعليًا على صعيد النشاط التشغيلي، حيث جرى وضع أكثر من 160 بئرًا جديدة على الإنتاج، إلى جانب إصلاح وإعادة تأهيل ما يزيد على 700 بئر خلال الفترة من يوليو 2024 حتى ديسمبر الماضي، وهو ما يعكس انتقال الإدارة من التعامل مع مظاهر التراجع إلى معالجة أسبابه الفنية.

كل ذلك، ولا بدّ أن نعي أنه وفقًا لاستراتيجية الطاقة المتكاملة والمستدامة، تستهدف مصر رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى نحو 42% من مزيج الكهرباء على المدى المتوسط، مع مستهدفات مرحلية بزيادة ملموسة لحصة الشمس والرياح بحلول منتصف العقد الحالي، بما كان من شأنه — حال الالتزام بها زمنيًا — تقليص الاعتماد النسبي على المصادر الكربونية، وعلى رأسها الغاز الطبيعي، في تلبية الطلب الكهربائي.

 

ومن ثمّ، فإن تخطيط الطاقة بالاعتماد على حجم إنتاج الغاز الطبيعي وحده وإتاحته للسوق المحلية، على الرغم من أهميته التصديرية ودوره المحوري في منظومة الطاقة، يمثل نهجًا مرتفع المخاطر، وينطوي على تحديات تنتقل آثارها إلى المستهلك في صورة تكاليف مالية أعلى وأعباء بيئية إضافية، فضلًا عن تعريض منظومة الطاقة ككل لصدمات كان يمكن امتصاصها عبر مزيج أكثر توازنًا وتنوعًا في مصادر التوليد. وبالتالي فإن وزارة الكهرباء تتحمل مسؤولية مباشرة عن تحقيق مستهدفات الطاقة المتجددة في الشبكة القومية، وهي المسؤول الأكبر عن تعثّر القطاع ماليًا، كونها المدين الأكبر للبترول بمديونية بلغت 390 مليار جنيه، وكون جانب كبير من تلك المديونية يرجع إلى الاعتماد المفرط على الكربون في إنتاج الكهرباء، فضلًا عن الفاقد والهدر والسرقات في الشبكات، والتي أقرت بها وزارة الكهرباء والطاقة. 

هذه المديونيات الممتدة عبر سنوات طويلة تشكّل قيدًا هيكليًا على أداء القطاع، وتنتقل آثارها إلى النشاط عبر إضعاف السيولة المتاحة لهيئة البترول، وتأخر سداد مستحقات الشركاء الأجانب، وارتفاع درجة عدم اليقين الاستثماري، وتقليص أو تأجيل خطط الحفر والتنمية. ومن ثمّ فإن تراجع الإنتاج لا يمكن فصله عن الاختلال المالي المزمن الذي يحدّ من القدرة على جذب الاستثمارات والحفاظ على مستويات الإنتاج.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء