قراءة في تحولات القوة والدور الأمريكي
تقرير لمركز باستيت:استراتيجية الدفاع الأمريكية 2026
أصدرت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون) في الثالث والعشرين من يناير 2026 استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة مكونة من 25 صفحة، وهي الأولى منذ عام 2022، وتحمل صبغة سياسية واضحة وعكست هذه الاستراتيجية توجهًا نقديًا واضحًا تجاه نمط العلاقات الأمنية الذي ساد بين الولايات المتحدة وحلفائها، لا سيما في أوروبا وآسيا، وترى أن الاعتماد المفرط لهؤلاء الشركاء على القدرات الأميركية خلال العقود الماضية أدى إلى خلل في منظومة الأمن الجماعي، وانطلاقًا من هذا التقييم تدعو الاستراتيجية إلى إحداث تحول بنيوي في تقاسم المسؤوليات الدفاعية من خلال مطالبة الحلفاء بتحمل أعباء أكبر في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وعلى رأسها تلك المرتبطة بكل من روسيا وكوريا الشمالية.
وتأتي هذه الاستراتيجية في أعقاب إعلان الرئيس ترامب استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في ديسمبر2025، والتي أعادت ترتيب الأولويات الجيوسياسية الأميركية عبر التركيز على نصف الكرة الغربي باعتباره المجال الحيوي الأول للأمن القومي، مع التأكيد على مكافحة التهديدات العابرة للحدود المرتبطة بتجارة المخدرات والإرهاب، أكثر من ذلك أنها مُحملة بأفكار الرئيس ترامب في العديد من القضايا، كالهجرة وأمن الحدود التي اعتبرت أولوية قصوى لمنع غزو الهجرة المشروعة وغير المشروعة، وكذلك المفاوضات الاقتصادية وتسوية النزاعات والتحالفات.
وأكدت الوثيقة في مستهلها أن السياسات الأميركية السابقة لم تعطِ على نحو كافٍ الأولوية للمواطن الأميركي ولمصالحه المباشرة، وهو ما يعكس مراجعة نقدية للركائز التي حكمت التدخل الخارجي للولايات المتحدة، وتشير إلى إعادة التمركز الاستراتيجي حيث يتداخل فيه الاعتبارات الداخلية بوصفها محددًا رئيسيًا لصياغة السياسات الدفاعية.
وفي هذا السياق ترتكز استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 على إعادة تعريف دور القوة العسكرية الأمريكية في ظل بيئة دولية تتسم بتعدد مراكز القوة، وتصاعد التكلفة السياسية والاقتصادية للتدخلات الخارجية المباشرة. وعلى خلاف الاستراتيجيات السابقة التي اتسمت بالطابع الشمولي وبالأخص استراتيجية عام 2022، وتستند استراتيجية عام 2026 على مجموعة من المحاور المركزية تعكس تحولًا نحو الواقعية الاستراتيجية والانتقائية الجيوسياسية. وتأتي هذه الرؤية استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية الراهنة.
وفي هذا السياق سيتم التركيز على أبرز المحاور التي تناولتها الاستراتيجية، إضافةً إلى ملامح البيئة الأمنية المرتبطة بها، وهذا على النحو التالي:
أولا المحاور الأساسية في استراتيجية الدفاع الأمريكية 2026:
ارتكزت الاستراتيجية على أربعة محاور رئيسية، تمثلت في:
- المحور الأول: الدفاع عن الوطن” Defend the U.S Homeland”:
تضع هذه الاستراتيجية حماية المجال الإقليمي المباشر في صدارة أولوياتها، عبر تشديد الرقابة على الحدود والتصدي لشبكات الجريمة المنظمة والجماعات غير النظامية في نصف الكرة الغربي، مع التركيز على ضمان السيطرة على الممرات الجيو الاستراتيجية مثل قناة بنما وجرين لاند. ويعكس هذا التوجه إعادة إحياء لمبدأ مونرو في صيغة تلائم العصر الحالي، حيث يُعاد تعريف نصف الكرة الغربي باعتباره مجالًا حيويًا ذا أولوية قصوى، ويمثل هذا التركيز إدراكًا متجددًا لأهمية المجال الجغرافي المباشر كشرط لبقاء القوة العظمى واستدامة نفوذها، بينما يكشف الخطاب المصاحب للاستراتيجية من منظور بنائي عن إعادة تشكيل الهوية الأمريكية من فاعل دولي ذي التزامات عالمية واسعة إلى قوة تتمحور حول الداخل.
- المحور الثاني: ردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ Deter China in the Indo- Pacific Through Strength Not Confrontation:
تُصنف الاستراتيجية الصين باعتبارها "التحدي الأكثر خطورة واستمرارية" أمام المصالح الأمريكية، مع التركيز على احتواء تمدد نفوذها العسكري والتكنولوجي في النظام الدولي، ويلاحظ غياب الإشارة المباشرة إلى تايوان مقارنة بالاستراتيجيات السابقة. ويعكس هذا النهج مقاربة واقعية دفاعية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة تنافس طويل الأمد مع الصين عبر أدوات ردع غير تصعيدية مع تجنب الالتزامات الصريحة التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة في المقابل، ومن ثم فإن تراجع التركيز على التعاون المؤسسي ومتعدد الأطراف يضعف أسس الأمن الجماعي من منظور ليبرالي، بينما يسهم توصيف الصين كـخصم بنيوي في إعادة إنتاج تصور للنظام الدولي قائم على منطق التنافس بين القوى العظمى من منظور بنائي.
- المحور الثالث تقاسم الأعباء مع الحلفاءIncrease Burden -Sharing With U.S. Allies and Partners
تنتقد الوثيقة اعتماد الحلفاء المفرط على الولايات المتحدة في المجالين الأمني والمالي، وتدعو إلى إعادة توزيع أعباء الدفاع الجماعي مع تقليص الالتزامات الأمريكية في المناطق غير الحيوية. هذا التوجه يعكس انتقالًا من نموذج القيادة العالمية الشاملة إلى ما يمكن تسميته "القيادة الانتقائية"، حيث تحدد دوائر الانخراط الأمريكي بناءً على حسابات الكلفة والعائد. ومن منظور ليبرالي قد يؤدي هذا التحول إلى إضعاف المؤسسات والتحالفات متعددة الأطراف، بينما ينسجم مع المنطق الواقعي الذي ينظر إلى التحالفات بوصفها أدوات وظيفية لتعظيم المصلحة الوطنية لا التزامات قيمية طويلة الأمد.
- المحور الرابع: إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية Supercharge the U.S. Defense Industrial Base:
تشدد الاستراتيجية على ضرورة إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية بما يضمن التفوق النوعي والاستقلالية في إنتاج القدرات العسكرية، ويقلل من الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية. هذا التوجه يعكس إدماجًا متزايدًا للبعد الاقتصادي في مفهوم الأمن القومي، حيث تُعاد صياغة الصناعة الدفاعية باعتبارها أحد أعمدة السيادة الوطنية. ووفق المنظور الواقعي تمثل القوة الاقتصادية شرطًا مسبقًا لاستدامة القوة العسكرية، بينما يعيد الخطاب الاستراتيجي من منظور بنائي تعريف الصناعة الدفاعية كجزء من الهوية الوطنية الأمريكية، بما يعكس تداخلًا متزايدًا بين الاقتصاد والأمن والهوية.
والجدير بالذكر أن هذه المحاور تكشف عن تحول بنيوي في العقيدة الدفاعية الأمريكية يتمثل في الانتقال من الالتزامات العالمية الواسعة إلى أولوية المجال الداخلي والمحيط الإقليمي المباشر، والتحول من القيادة الجماعية للنظام الدولي إلى قيادة انتقائية قائمة على حسابات المصلحة، وإعادة الاعتبار للقاعدة الصناعية الدفاعية كركيزة للأمن القومي، واحلال منطق "أمريكا أولًا" محل "القيادة العالمية"، ويرتبط هذا التحول بجملة من التحديات التي تواجه الدور الأمريكي، لا سيما ارتفاع التكاليف الاقتصادية والسياسية المرتبطة باستمرار الهيمنة، فضلًا عن تنامي أدوار قوى دولية وإقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل توازنات القوة على الساحة العالمية.
ثانيًا ملامح البيئة الأمنية في الاستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة لعام 2026
تبرز استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026 أن الولايات المتحدة تواجه "أحد أخطر البيئات الأمنية في تاريخها"، حيث تتشابك التهديدات الداخلية والخارجية بشكل غير مسبوق. وتشير الوثيقة إلى أن انهيار الحدود، وتزايد نفوذ شبكات الجريمة المنظمة في نصف الكرة الغربي، إلى جانب المخاطر المتعلقة بالتحكم في الممرات الاستراتيجية مثل قناة بنما وجرين لاند، تمثل تحديات مباشرة للأمن القومي، ويعكس هذا التصور إعادة صياغة لمبدأ مونرو في صيغة معاصرة، حيث يعاد تعريف نصف الكرة الغربي باعتباره مجالًا حيويًا ذا أولوية قصوى، وينظر إليه من منظور الواقعية البنيوية كشرط أساسي لاستدامة النفوذ الأميركي وبقاء القوة العظمى.
على الصعيد الدولي، تصنف الصين بوصفها "التحدي الأكثر خطورة وطويل الأمد"، مع تركيز الاستراتيجية على احتواء تمدد نفوذها العسكري والتكنولوجي. ويلاحظ غياب الإشارة المباشرة إلى تايوان، وهو ما يمثل تحولًا عن الاستراتيجيات السابقة ويعكس مقاربة واقعية دفاعية تهدف إلى إدارة منافسة طويلة الأمد دون الانخراط في التزامات قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة. من منظور بنائي، يسهم هذا الخطاب في إعادة إنتاج تصور للنظام الدولي كساحة تنافس بين القوى الكبرى، ويضعف في الوقت ذاته الأطر الليبرالية التي تؤكد على التعاون المؤسسي والأمن الجماعي.
أما روسيا، فتصور في الوثيقة كقوة مزعزعة للاستقرار في أوروبا الشرقية والمنطقة القطبية الشمالية، مع استمرارها في استخدام أدوات هجينة، بما في ذلك الهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي. وتعامل روسيا كتهديد إقليمي أكثر من كونها تهديدًا عالميًا، مع إبقاء عنصر الردع النووي في الاعتبار. ويعكس هذا التصنيف واقعية تحليلية دقيقة لمحدودية القوة الروسية مقارنة بالصين، ولكنه يبقيها في موقع الخصم الاستراتيجي الذي لا يمكن تجاهله.
بينما إيران تدرج ضمن القوى الإقليمية المهددة، حيث تتهم بالسعي إلى تقويض الاستقرار في الشرق الأوسط عبر دعم الميليشيات المسلحة وتطوير برامج صاروخية. ومع ذلك، بينما ينظر إليها في الوثيقة على أنها أقل مركزية مقارنة بالصين، مما يعكس إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة وفق معادلة التكلفة والعائد. وينسجم هذا التوجه مع منطق "القيادة الانتقائية"، حيث تحدد دوائر الانخراط العسكري الأميركي على أساس المصالح الحيوية المباشرة.
وتصف استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 النظام الدولي بأنه متعدد الأقطاب، مع ارتفاع تكلفة الهيمنة وتراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف. ويعكس هذا التصور إدراكًا أمريكيًا لمحدودية القدرة على ممارسة القيادة العالمية المطلقة، بما يبرر التحول نحو نظرية "أميركا أولًا" وإعادة توزيع الأعباء مع الحلفاء، وإعادة تشكيل هوية الولايات المتحدة كقوة تتمحور حول الداخل مع التركيز على حماية المصالح الحيوية قبل الانخراط في التزامات عالمية واسعة.
كما تكشف الوثيقة عن تصور لبيئة أمنية معقدة ومتعددة الأبعاد، تتسم بتنوع مصادر التهديد داخليًا عبر انهيار الحدود والجريمة المنظمة، وإقليميًا من خلال فقدان السيطرة على الممرات الاستراتيجية، ودوليًا عبر المنافسة مع الصين وروسيا وإيران. ويظهر هذا التصور مزيجًا من الواقعية البنيوية التي تركز على القوة والردع، والانكفاء الاستراتيجي المحسوب الذي يقلص الالتزامات العالمية غير المباشرة، إلى جانب توظيف الخطاب البنائي لإعادة تعريف هوية الولايات المتحدة ودورها في النظام الدولي.
وتستخدم هذه البيئة الأمنية كإطار تحليلي لتبرير التحول العقائدي نحو أولوية الداخل وتعزيز استراتيجيات الردع طويل الأمد ضد الصين، بما يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي وحدود الدور الأمريكي كقوة عظمى في عالم متعدد الأقطاب.
وفي الختام تظهر استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 تحولًا واضحًا نحو التركيز على الداخل وردع الصين، مع تقليص التدخلات الخارجية وإعادة توزيع الأعباء الأمنية على الحلفاء. ويعكس هذا التوجه رغبة في الحفاظ على التفوق الأمريكي عبر الابتكار الصناعي والتكنولوجي، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بفراغات أمنية محتملة وضعف منظومة الردع الجماعي.
ومن ثم تمثل هذه الاستراتيجية محاولة لإعادة صياغة دور الولايات المتحدة الأمريكية بين حماية الداخل والانخراط الانتقائي في الخارج، بما يتناسب مع واقع عالمي سريع التغير.