في السادس والعشرين من يناير 2026، أعلنت السلطات الصحية الإثيوبية انتهاء تفشّي فيروس ماربورغ بعد احتوائه خلال 42 يومًا من وفاة آخر حالة بسبب حمّى ماربورغ النزفية؛ ورغم محدودية عدد الإصابات، إلا أن دلالات التفشّي تجاوزت البعد الصحي، لتفتح نقاشاً أعمق حول هشاشة الدولة، وأمن الحدود، وتداخل الصحة مع النزاعات المسلحة في القرن الأفريقي. ففي هذه المنطقة، لا تُقرأ الأوبئة كحوادث طبية عابرة، بل كاختبارات قاسية لبنية الدولة وقدرتها على إدارة المخاطر المركّبة.
حدود رخوة وأوبئة عابرة للدول
يمتاز القرن الأفريقي بحدود طويلة ومفتوحة، تشكّلت في معظمها دون اعتبار للواقع الاجتماعي أو الاقتصادي، فحركة الرعاة، والتجارة غير النظامية، وتدفقات اللجوء والنزوح، تجعل من الحدود مساحات عبور دائمة، لا خطوط ضبط وسيطرة.
وفي هذا الواقع، يتحول أي تفشٍّ وبائي محلي إلى تهديد إقليمي متحرك. فانتقال العدوى من إثيوبيا إلى السودان، أو جنوب السودان، أو كينيا – حيث تتشابه ظروف الهشاشة الصحية والأمنية – لا يحتاج سوى ثغرة واحدة في أنظمة الرصد؛ وهنا، تصبح الحدود نفسها جزءًا من المشكلة، لا أداة للحماية. وهنا تتحول الحدود من خطوط سيادة إلى نِقَاط ضعف بيولوجي وأمني.
أمن قومي وفجوة الثقة
تفشّي ماربورغ يضع مفهوم الأمن الصحي في قلب النقاش الأمني، فالوباء لا يهدد الأرواح فقط، بل يضغط على أجهزة الدولة المنهكة أصلًا، ويربك حركة السكان والاقتصاد المحلي، ويخلق حالة خوف جماعي قابلة للانفجار، وفي دولة مثل إثيوبيا تشهد نزاعات مسلحة واستقطابًا سياسيًا حادًا، يصبح الوباء عاملًا مضاعفًا لعدم الاستقرار، وقد يتحول إلى ذريعة لإجراءات أمنية استثنائية أو إلى وقود للاحتجاجات الشعبية.
في البيئات الهشّة، لا تواجه الدولة الفيروس وحده، بل تواجه أزمة ثقة، حيث تنتشر الشائعات، وتُفسَّر إجراءات الحجر والعزل باعتبارها أدوات قمع أو مؤامرة خارجية، وتصبح الفرق الطبية هدفًا للرفض أو العنف. ومع تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعي، يتحول الوباء إلى معركة سرديات، تتقاطع فيها السياسة، والدين، والقبيلة، في ظل ضعف الخطاب الرسمي المقنع.
الهامش: نقطة البداية الدائمة للأزمات
غالبًا ما تبدأ تفشّيات الوبائيات في الأطراف الريفية النائية والمجتمعات التي تعيش خارج الخدمات الأساسية ومناطق التعدين التقليدي قليلة الوجود الأمني، بعضها مسرح لنشاط جماعات مسلحة، وهذه المناطق نفسها تمثل الهامش السياسي والأمني للدولة، فغياب الرعاية الصحية، وضعف الوجود المؤسسي، وانتشار اقتصاد الظل، كلها عوامل تجعل من الهامش بيئة مثالية لظهور الأوبئة وانتشارها هنا، لا تكون الصحة معزولة عن السياسة، بل تصبح مؤشرًا مباشرًا على حضور الدولة أو غيابها. فحيث تغيب الدولة، تحضر الأوبئة، والصحة في الهامش ليست فقط ضحية للهشاشة، بل مرآة كاشفة لها.
تدويل الصحة: السيادة تحت الاختبار
نجحت إثيوبيا في احتواء التفشّي خلال فترة زمنية محسوبة، لكن هذا النجاح لا يعني بالضرورة متانة النظام الصحي. ففي الدول الهشّة، لا تعمل الأنظمة الصحية بمنطق الوقاية بل بمنطق الطوارئ وردّ الفعل، أي أن الدولة تُدير الأزمة لكنها لا تمنع تكرارها، الفرق جوهري بين إدارة أزمة وبناء قدرة مؤسسية مستدامة، وهو الفرق الذي ما زال غائباً في معظم دول القرن الأفريقي. النجاح في احتواء انتشار وباء ماربورغ يُحسب فقط من زاوية إدارة الأزمة، لكنه لا يجيب عن سؤال أعمق: هل تمتلك دول القرن الأفريقي نظمًا صحية قادرة على الوقاية، أم أنها تكتفي بإطفاء الحرائق عند الانفجار؟ في معظم الحالات، تتحرك الدولة بعد وقوع الأزمة بموارد استثنائية وبدعم دولي مكثف، ما يعني أن الاحتواء لا يعكس بالضرورة قدرة مؤسسية مستدامة، بل استجابة مؤقتة في سياق هش.
وباء ماربورغ؛ أعاد تفعيل حضور المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، وشبكات الإنذار المبكر الدولية في إدارة الأزمة، ومع تكرار سيناريوهات التمويل المشروط والوجود التقني الخارجي، دون أن يكون ذلك دائمًا خيارًا سياديًا خالصًا، تتحول الصحة إلى مدخل لتدويل شؤون الدول الهشّة. ورغم أهمية الدعم الدولي، إلا أن الاعتماد المتزايد عليه يطرح أسئلة حساسة حول حدود السيادة، واستقلال القرار الصحي، وتحول العلاقة بين الدولة والمجتمع الدولي من السيادة إلى الشراكة القسرية.. هل يُعاد تعريف السيادة في القرن الأفريقي عبر بوابة الأمن الصحي؟.
علاقات دائرية
في القرن الأفريقي، لا تعمل الأوبئة والنزاعات بمعزل عن بعضها، بينها علاقة تأثير تبادلية، فالنزاعات تعيق الوصول الصحي، والأوبئة تعمّق النزاعات وتزيد هشاشة المجتمعات، والجماعات المسلحة تستغل الفراغ والخوف، والفرق الطبية تصبح أهدافًا محتملة، وهكذا تتشكل حلقة (نزاع، هشاشة صحية، وباء، مزيد من النزاع) يصعب كسرها دون معالجة الجذور السياسية والاقتصادية للصراع، بمقاربة شاملة لا بالاكتفاء بالحلول التقنية.
وهذا هو الحال بالنسبة لدول الجوار أيضًا، فتفشّي ماربورغ يسلّط الضوء على ضعف التنسيق الصحي الإقليمي، وغياب آليات إنذار مبكر مشتركة، وهشاشة الاستعدادات العابرة للحدود، وهو ما يجعل أي تفشٍّ جديد مرشحاً للتحول إلى أزمة إقليمية إذا لم تُعالج هذه الثغرات البنيوية.
في السابق، شهدت إثيوبيا عدة أوبئة وأمراض عابرة للحدود، وتم احتواء عدد منها عبر تعاون إقليمي ودولي، بدرجات متفاوتة من النجاح، وهذه نقطة مهمّة لأنها تضع تفشّي ماربورغ الأخير في سياق خبرة سابقة وليست حالة معزولة، حيث تُظهر تجارب إثيوبيا السابقة مع أوبئة مثل الكوليرا (تنسيق مع كينيا، الصومال، جنوب السودان)، وشلل الأطفال (تنسيق مع الصومال، كينيا، جيبوتي)، والاستعداد للإيبولا (تنسيق وقائي مع جنوب السودان، أوغندا، كينيا)، أن التعاون الصحي الإقليمي لعب دورًا حاسمًا في احتواء المخاطر العابرة للحدود. غير أن هذا التعاون ظلّ في معظمه استجابةً ظرفية لأزمات طارئة، أكثر منه نتاجًا لبنية صحية إقليمية مستدامة، ما يجعل نجاح احتواء تفشّي ماربورغ الأخير إنجازًا تشغيليًا مهمًا، لكنه لا يُغني عن معالجة الجذور البنيوية للهشاشة الصحية في القرن الأفريقي.
كشف انتشار فيروس ماربورغ في القرن الأفريقي أن الأوبئة في البيئات الهشّة ليست طوارئ صحية فقط، بل أزمات دولية بامتياز، واختبارات سيادية وأمنية عميقة، فهي تفضح هشاشة الحدود، وضعف الثقة، وغياب الدولة عن الأطراف، وتُبرز تقاطع الصحة مع الأمن والنزاع والسياسة، وتؤكد أنه في غياب مقاربة شاملة تعالج جذور الهشاشة ستظل الأوبئة تعود بأشكال مختلفة، بوصفها أحد أعراض أزمة أعمق لم تُحل بعد. في هذا السياق، لا يُعد احتواء تفشّي وباء ما نهاية القصة، بل فصلًا مؤقتًا في أزمة بنيوية ممتدة، ما لم تُعاد صياغة مفهوم الأمن ليشمل الصحة، والهامش، وبناء الدولة – كل دولة – من القاعدة لا من الطوارئ.