يستيقظ المصري من النوم ليتطلع إلى هاتفه، يقرأ الإشعارات التي وصلته عبر وسائل التواصل، ليسحب يده متأملاً المنشورات التي يريد قراءتها، ثم يتصفح الأخبار عبر الوسائط الرقمية، ومنها يبدأ يومه بقراءة أذكار الصباح، ونفس الأمر في المساء، ومنهم من يقرأ في القرآن ورده اليومي، ومنهم من يقرأ في الإنجيل... عادات يومية كثيرة وكلها قراءة، ومنهم من لديه مكتبة عامرة بالكتب، ومنهم من يتطلع إلى شراء الصحف والمجلات، ومنهم من يفرض عليه عمله القراءة... كلها قراءة.
تُعد القراءة فعلاً ذاتياً تحكمه عوامل متعددة، ولا ينبغي أن نضع أمر القراءة في سلة واحدة تخص القراءة الثقافية أو الأكاديمية، ولكن هناك متسع كبير للقراءة، وفي هذا السبيل تطالعنا الكثير من التقارير العالمية – المكذوبة – حول القراءة بأن المصري يقرأ بمتوسط حوالي 5.41 كتاب سنوياً، وقد وضع تقرير القراءة العالمي مصر في المرتبة الأولى عربياً، ولكن بنظرة منطقية نجد أن هذه الأرقام تحتاج إلى مناقشة، خاصة وأن القراءة كفعل ثقافي تختلف عنها كفعل اجتماعي، فالقراءة كفعل اجتماعي تُعد نشاطاً يقوم به الفرد ويقع تحتها الأنشطة الروتينية اليومية، وهذا الأمر يضع القراءة في إطار واسع، أما القراءة كفعل ثقافي فيحكمها معايير أخرى ربما تختلف عن معايير القراءة كفعل اجتماعي، ونضيف إلى هذا البعد القراءة كفعل أكاديمي، وهذا يحتاج أيضاً إلى رؤية بمعايير مختلفة في التصنيف. من هنا نجد أن هذه التصنيفات التي تضع القراءة في سلة واحدة يشوبها الصواب والموضوعية، وربما يحكم هذه التصنيفات عوامل أخرى مرتبطة بالسطوة الحضارية.
يأتي ذلك تزامناً مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، وفي هذا السياق درس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية اهتمامات القراءة في ربع قرن من الزمان عبر دراسة تتبعية تمت ثلاث مرات منذ بداية الألفية الثالثة وحتى الربع الأول منها. وقد كشفت هذه الدراسة عن تنوع القراءة كفعل ذاتي وكفعل اجتماعي وكفعل ثقافي، فقد احتلت قراءة الكتب الأدبية والدينية مرتبة متقدمة في اهتمامات القراءة لدى المصريين، ثم جاءت الكتب الثقافية والعلمية، ويُضاف إلى ذلك اهتمام كبير بالكتب التاريخية والتراثية، وهو الأمر الذي يوضح ماذا يقرأ المصري.
ارتبطت القراءة في مصر بالاهتمامات الخاصة، وهذا بطبيعة الحال تحكمه الاعتبارات الذاتية، إلا أن هناك بُعداً مهماً مرتبطاً بالقراءة كفعل اجتماعي لدى المصريين، وهو طبيعة المكان، فثمة أماكن معينة ارتبطت بالقراءة مثل سور الأزبكية، ذلك المكان الذي يمثل رمزية القراءة لدى الكثير من المثقفين، وفي كل محافظة في ربوع مصر تجد أماكن تشبه سور الأزبكية يلتف حولها القراء بحثاً عن الكتب ذات الاهتمامات التي يطوفون حولها.
بتأمل القراءة كفعل اجتماعي وثقافي وذاتي لا يمكن أن نغفل الكتاب الرقمي، فقد كشفت نتائج بحوث المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن ثمة تحولاً نحو القراءة الإلكترونية، وخصوصاً لدى جيل الشباب، فقد فتح الإنترنت باباً جديداً إلى المعرفة والقراءة والاطلاع، وهنا نجد أن ثمة جدلاً بين القراء أنفسهم حول الكتاب الرقمي، فالبعض يرى أن القراءة فعل حسي يعتمد على اللمس قبل البصر، وهذا الفريق يرى أن القراءة عبر الوسائط الرقمية لا تأتي ثمارها وغير كافية في إشباع غريزة حب المعرفة والقراءة، والبعض يرى أن القراءة فعل بصري يعتمد على العين فقط، ويبدو في الأفق أن هذه الجدلية ستزيد في الفترة القادمة وتحتاج إلى دراسة لفهم طبيعة القراءة وعلاقاتها بالحواس من ناحية، وعلاقة ذلك بسردية الأجيال من ناحية، وعلاقتها بسعر الكتاب ذاته.
يعتمد فهم القراءة كعملية ذاتية أو كعملية اجتماعية على اعتبارات عديدة يصعب أن نختزلها في أرقام جامدة، ولكنها عملية حيوية متجددة مستمرة، ربما أشكالها مختلفة بسبب التقدم التكنولوجي والتقدم في وسائط المعرفة الجديدة، إلا أننا في النهاية نقول إن المصري يقرأ، ووضع القراءة كفعل اجتماعي مع فعل ثقافي في سلة واحدة مشكلة تصنع أكذوبة تحتاج إلى نفي.