الكنيسة «السريانية» تكشف جذور المسيحية بحمص وعلاقاتها بالطوائف|حوار
الأب بولس ملكي، كاهن كنيسة السيدة العذراء السريانية في سوريا في حوار لـ"إيجبتك": الكنيسة السريانية إرث يمتد لقرون من الزمن
الرسولين بطرس ويوحنا كانا سبب انتشار المسيحية في حمص
الكنيسة السريانية نجحت في الحفاظ على معتقداتها اللاهوتية رغم الاضطهادات
علاقتنا مع الكنائس الموافقة للرأي مستقرة عكس الكنائس الأخرى
مع مرور الزمن أصبح متاح زواج الأقارب وتخفيف القيود السابقة بين الطوائف
في قلب سوريا، وعلى ضفاف التاريخ الممتد لقرون، تقف كنيسة السيدة العذراء السريانية في حمص شاهدة على رحلة المسيحية منذ أيام الرسولين بطرس ويوحنا، تتجذر الكنيسة في تراث غني يجمع بين التاريخ والروحانية، محافظًا على معتقداته اللاهوتية الأصيلة، وفي الوقت نفسه منفتحًا على الحوار والتقارب بين الطوائف المسيحية المختلفة.
وتعتبر الكنيسة السريانية في سوريا من أقدم الكنائس المسيحية في المنطقة، حيث تمثل جسرًا تاريخيًا وروحيًا بين الماضي العريق والحاضر المتجدد، إذ تمتاز هذه الكنيسة بالحفاظ على معتقداتها الأصلية التي قامت عليها منذ تأسيسها، مع قدرة فريدة على التكيف والتقارب مع الطوائف المسيحية الأخرى.
وعلى إثر ذلك، كشف الأب بولس ملكي، كاهن كنيسة السيدة العذراء السريانية في سوريا، في حوار خاص مع موقع «إيجبتك» تاريخ دخول المسيحية إلى حمص، ووضع الكنيسة الحالي، وعلاقاتها مع الطوائف الأخرى، كما سلط الضوء على إرث يمتد لقرون من الزمن.. وإلى نص الحوار:

كيف أثرت زيارة الرسولين بطرس ويوحنا على انتشار المسيحية في حمص؟
تاريخ دخول المسيحية إلى مدينة حمص طويل، حيث شهدت هذه المدينة واحدة من أقدم البشارات المسيحية في المنطقة، وذكر المؤرخ مار ميخائيل الكبير في كتابه، نقلًا عن ابن الصليبي مطران آمد (1171م)، من نسخة سريانية مخطوطة في المتحف البريطاني مؤرخة سنة 871م، أن ميليا السادس من المبشرين السبعة قام بالوعظ بالمسيحية في حمص وبعلبك والرستن وحماة، واستشهد في مدينة شيزر، التي كانت ملاصقة لحماة، ولا تزال آثار قلعتها قائمة حتى اليوم.
كيف انعكس ارتباط حمص بالكرسي الأنطاكي على هويتها اللاهوتية والتنظيمية؟
المدينة التي زارها فيما بعد الرسولان بطرس ويوحنا، سرعان ما أصبحت كرسيًا أسقفيًا تابعًا للكرسي الأنطاكي الرسولي، وكان أول أساقفتها القديس سلوانس، الذي خدم الكنيسة أربعين عامًا واستشهد عام 312 ميلاديًا، وظلت حمص منذ ذلك الحين مركزًا مهمًا للمسيحية في المنطقة.
وأسهم هذا الارتباط في ترسيخ بنية كنسية واضحة المعالم، قائمة على النظام الأسقفي والتسلسل الكهنوتي، بما عزّز وحدة التعليم والعقيدة داخل الكنيسة المحلية، كما منحها الانتماء إلى الكرسي الأنطاكي مكانة روحية متميزة، وجعلها جزءًا فاعلًا في الحياة الكنسية العامة، ومركزًا لنشر الإيمان المسيحي في المنطقة، مستفيدة من الخبرة الروحية والتنظيمية التي ميّزت الكنيسة الأنطاكية عبر القرون.

كيف تحافظ الكنيسة السريانية على معتقداتها اللاهوتية الأساسية حتى اليوم؟
تحافظ الكنيسة السريانية في سوريا على معتقداتها اللاهوتية الأساسية من خلال تمسّكها الثابت بالتعاليم التي تأسست عليها منذ القرون الأولى للمسيحية، وفي مقدمتها قانون الإيمان النيقاوي والقسطنطيني وتوجيهات مجمعي أفسس، التي شكّلت الإطار العقائدي والروحي لهويتها الكنسية، وذلك رغم الاضطهاد التي شهدته على مر العصور.
كما يظهر هذا الالتزام بوضوح في الليتورجيا السريانية، والتعليم الكنسي، والتقليد الآبائي المتوارث جيلًا بعد جيل، حيث تُنقل العقيدة ليس فقط عبر النصوص، بل أيضًا من خلال الممارسة الروحية والطقسية اليومية.

ما العلاقة بين الكنيسة السريانية السورية بالكنائس الأخرى سواء موافقة في الرأي أو مختلفة؟
شهدت العلاقات بين الكنيسة السريانية والطوائف الأخرى تطورات كبيرة على مدار السنوات، فعلى صعيد الكنائس المشتركة في الرأي، مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والأرمنية والحبشية والروم الأرثوذكس، كانت هناك علاقات وحدة مستمرة ومستقرة، رغم بعض التحفظات أحيانًا، خاصة فيما يخص مبدأ مجمع خلقيدونية.
أما بالنسبة للكنائس الكاثوليكية والنسطورية والبروتستانتية، فقد مرت العلاقات بفترات من التجاذب والتوتر، حيث كانت هناك قيود صارمة على قبول المعمودية والإفخارستيا، ومنع زواج أبناء الكنيسة من هؤلاء، بما في ذلك العلاقة بالأشبينية (العراب)، وكان مخالفة هذه القواعد تُعرض صاحبها لعقوبات كنسية.

كيف تسعى الكنيسة السريانية للحفاظ على توازنها بين التقليد والانفتاح على الحوار الطوائفي؟
مع مرور الزمن، أصبح التقارب بين الطوائف المختلفة كبير، ومشتركًا بشكل أكبر في المناسبات الروحية والكنسية، وتم السماح بزواج الأقارب وتخفيف القيود السابقة، ما يعكس تحول الكنيسة نحو علاقات أكثر انفتاحًا وتعاونًا مع بقية الطوائف المسيحية في سوريا، باستثناء بعض الجماعات الإنجيلية التي ما زالت تحفظ بعض الاختلافات.
الكنيسة السريانية بسوريا تواصل التمسك بتقاليدها ومبادئها الروحية، مع الانفتاح على الحوار والتعاون بين الطوائف، وهذه الجهود تمثل امتدادًا للتاريخ العريق الذي بدأت به المسيحية في حمص والمناطق المحيطة بها منذ قرون.