رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد مرور السنين نتذكر ما حدث لنا ولغيرنا في التاريخ، فنجد أن كل ما حدث في الماضي البعيد أو القريب أو في الزمن المعاصر إنما نابع من الخيال. يتسم التاريخ بأنه مصنوع أو مكتوب بأيدي صُنّاعه، فهو ليس قدرًا منزلًا من السماء أو أمرًا محتومًا لا يمكن تغييره. كانت الفكرة دائمًا في خيال شخص سعى وراء تنفيذها، وفي نسبة كبيرة من تلك الأفكار نجح التنفيذ وتغير التاريخ.

لنتذكر أن الصهيونية والدولة اليهودية كانت في خيال تيودور هرتزل، واستطاع بتجميع الجهود وإقناع الآخرين من المتحمسين لهذه الدولة أن ينفذ ما تخيله وحلم به بعد خمسين سنة من انعقاد مؤتمر الصهاينة عام 1897. لنتذكر حلم بريطانيا بالقضاء على الخلافة الإسلامية والدولة العثمانية. انتهزت بريطانيا فرصة الحرب العالمية الأولى لكي تحرض العرب – في الجزيرة العربية – على الثورة ضد تركيا، ولكن حركة العرب كانت بطيئة وغير فاعلة، كما أن الخلافات بينهم كانت قبلية وعميقة تاريخيًا، مما حال دون اتفاقهم على التعاون لتنفيذ أمانيهم في الاستقلال. وجاء الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورانس، المسمى بلورانس العرب، مكلفًا من بلاده ومدفوعًا بخياله وطموحه ليدبر الثورة العربية ويقود القبائل ضد تركيا، فأضعف موقفها ومساندة المسلمين لها في الحرب، وبذلك أضعف الجبهة الشرقية الموالية لألمانيا. بعد نصر الحلفاء جاء الدور على العرب، فكان تقسيم بلادهم بعدما تفككت الخلافة وأُلغيت، واتفقت بريطانيا وفرنسا على تقطيع أوصال أمة عاشت 1300 سنة موحدة ومتحدة، وتشرذمت خريطة الوطن العربي إلى دول ودويلات وما زالت كذلك.

الأمثلة على استخدام الخيال في عالم السياسة والحرب لا حصر لها. لنتذكر كيف فتح العرب الأندلس، ولما افتقد الحكام الخيال وإرادة التنفيذ فقدنا الأندلس بعد ما يقرب من 800 سنة من الوجود هناك في شبه جزيرة أيبيريا. لنتذكر ما فعله صلاح الدين بعد مئات السنين من الوجود الصليبي في وطننا. وجد أن تغيير الواقع أمر يقدر على تنفيذه الرجال من أصحاب الإرادة والعزيمة، ولا مستحيل إذا ما أراد الرجال. استطاع صلاح الدين تحرير بيت المقدس والشام، وعاد الصليبيون بعد أجيال متواصلة إلى بلادهم.

لم يكن السلطان محمد الملقب بالفاتح يقدر على فتح القسطنطينية، التي عاشت ما يزيد على ألف عام مدينة محصنة استعصت على الجميع، لولا أن استخدم خياله في الحرب وأدخل سفنه الحربية عبر الغابات، وإنزالها في المياه متجاوزًا الموانع التي وضعتها بيزنطة لمنع دخول السفن العثمانية إلى مضيق البوسفور والبحر الأسود.

الخلاصة أن الاستسلام للأمر الواقع بمبرر أنه لا يمكن تغييره سلوك غير ناجح ويؤدي إلى التهلكة، فلو استسلمت فيتنام للأمر الواقع ولم تقاوم لابتلعتها أمريكا كما فعلت في كوريا التي حصلت على نصفها الجنوبي، ولو استسلم الأندلسيون لحكم استمر 800 سنة لما كانت اليوم إسبانيا والبرتغال، وربما كان هناك حكام عرب مسلمون، لكنهم رفضوا الواقع والاستسلام، وكذلك فعل المسلمون ضد التتار وضد الصليبيين.

عندما عاد الإنجليز والفرنسيون واحتلوا الدول العربية احتلالًا كاملًا بعد الحرب العالمية الأولى، دخل الجنرال الفرنسي هنري جورو بجيوشه دول الشام، ووقف أمام قبر صلاح الدين في دمشق وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين!!

لا يجب أن يسودنا فكر الاستسلام والإذعان للواقع الذي يشكله آخر يرغب في القضاء علينا، سواء كانت الدول الغربية التي عاشت قرونًا في عداء معنا، أو إسرائيل التي تحلم بدولتها من النيل إلى الفرات. لا يجب أن نرى في التغيير وبناء قدرنا بأيدينا نوعًا من البدعة، كما لا يجب أن تشغلنا الأحداث اليومية عن التفكير والتخطيط للحفاظ على أوطاننا ومستقبلنا. إن غياب الخيال في السياسة أمر خطير، ولو كان الحكام يمارسون التخيل لتفادوا أحداثًا سلبية عديدة، وتفادوا مكامن الخطورة على دولهم وعليهم.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء