في الأسابيع الأخيرة، عاد الملف الإيراني إلى صدارة الحسابات الاستراتيجية في واشنطن، مدفوعًا بتقاطع ثلاثة مسارات ضاغطة: حشد عسكري أمريكي غير مسبوق منذ سنوات في محيط إيران، وتقديرات استخباراتية تؤكد هشاشة غير معهودة داخل بنية النظام، وتردّد إقليمي متزايد، خصوصًا من الحلفاء الخليجيين، في الانخراط في أي مواجهة عسكرية مفتوحة. هذا التداخل المعقّد يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام معادلة شديدة الحساسية، تتجاوز سؤال «هل يتم توجيه ضربة؟» إلى سؤال أعمق يتعلق بشكل الضربة وحدودها وتكلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية.
رفض السعودية والإمارات السماح باستخدام مجالهما الجوي أو أراضيهما في أي هجوم محتمل على إيران يمثل متغيرًا نوعيًا في حسابات واشنطن العملياتية. فالدولتان اللتان كانتا تشكلان تاريخيًا عمقًا لوجستيًا مهمًا لأي تحرّك أمريكي في الخليج، باتتا تنظران إلى الاستقرار الإقليمي بوصفه شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات وتنفيذ مشروعات التحول الاقتصادي الكبرى. ومن هذا المنطلق، تخشى العواصم الخليجية من أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى سلسلة من الارتدادات غير القابلة للضبط، تشمل استهداف البنى التحتية النفطية والموانئ، واضطراب حركة التجارة والطاقة، وربما انفلاتًا أمنيًا واسعًا في منطقة تعاني أصلًا من تراكم الأزمات.
هذا الموقف لا يمنع الولايات المتحدة من التحرك عسكريًا، لكنه يقيّد أدواتها ويدفعها للاعتماد بصورة أكبر على الضربات الجوية والصاروخية المنطلقة من حاملات الطائرات أو من قواعد بعيدة مثل دييغو غارسيا. وهو ما يرفع الكلفة المالية والعملياتية، ويحدّ من مرونة التخطيط، ويجعل أي عمل عسكري أقرب إلى «ضربة عن بُعد» ذات أثر ردعي أو عقابي، لا عملية شاملة لإسقاط النظام.
في هذا السياق، اكتسب وصول حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، برفقة مدمرات مزوّدة بنظام «إيجيس» وصواريخ توماهوك بعيدة المدى، دلالة سياسية تتجاوز بعدها العسكري.
فالحشد يشير بوضوح إلى أن خيار القوة حاضر على الطاولة، لكنه يُستخدم أيضًا كأداة ضغط قصوى لدفع طهران نحو تقديم تنازلات في أي مسار تفاوضي محتمل، خصوصًا في الملف النووي وسلوكها الإقليمي.
إلا أن البعد العسكري لا يمكن فصله عن البعد الاستخباراتي الداخلي. فقد كشفت تقارير أمريكية أن ترامب تلقّى إحاطات تؤكد أن الحكومة الإيرانية تمر بأضعف مراحلها منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة، وتآكل الموارد، واتساع الفجوة بين المجتمع والنخبة الحاكمة، إضافة إلى الاحتجاجات الواسعة التي اخترقت حتى مناطق كانت تُعد تاريخيًا خزانات دعم للنظام. هذه المعطيات تخلق إغراءً واضحًا لدى صانع القرار الأمريكي لاستثمار لحظة الضعف، سواء عبر التصعيد العسكري المحدود أو عبر تشديد الضغوط الاقتصادية والسيبرانية والإعلامية.
غير أن التجربة التاريخية، كما يحذّر عدد من الساسة والخبراء الأمريكيين، تشير إلى أن التدخل الخارجي لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الأنظمة المستهدفة، بل قد يمنحها فرصة لإعادة إنتاج شرعيتها عبر تعبئة الداخل ضد «الخطر الخارجي». وهو ما يفسر تحذيرات متكررة من أن أي ضربة عسكرية قد تقوّي الحرس الثوري بدلًا من إضعافه، وتعيد ترتيب موازين القوى داخل النظام لصالح التيار الأكثر تشددًا.
من هنا يبرز خيار آخر داخل دوائر التفكير الأمريكية: فرض حصار بحري جزئي أو مشدد على إيران، على غرار النموذج الفنزويلي، بهدف خنق صادرات النفط ومنع وصول العملة الصعبة، وبالتالي تعميق الأزمة الاقتصادية ودفع الشارع إلى موجة احتجاج جديدة.
لكن هذا السيناريو يصطدم بعقبات جسيمة، في مقدمتها الطبيعة الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. أي تعطيل واسع للملاحة فيه سيقود إلى قفزات حادة في أسعار النفط، وهو ما يمثل كابوسًا سياسيًا لإدارة ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 2026.
إضافة إلى ذلك، فإن الحصار البحري يُعد في القانون الدولي عملًا حربيًا صريحًا، ويتطلب غطاءً دوليًا يصعب تصوّره في ظل معارضة روسيا والصين المتوقعة داخل مجلس الأمن.
كما أن إيران، بخلاف فنزويلا، تمتلك قدرات عسكرية وبحرية وصاروخية تخوّلها الرد بشكل مباشر، سواء عبر استهداف السفن أو عبر وكلائها الإقليميين، ما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية شاملة.
على المستوى الداخلي الإيراني، تبرز تحولات لا تقل خطورة عمّا سبق تناوله، والتي تتمثل في انتقال تدريجي في مركز الثقل من مؤسسة المرشد إلى الحرس الثوري، الذي بات يملك نفوذًا أمنيًا واقتصاديًا وإعلاميًا هائلًا. ويُطرح سيناريو أن يقدم جناح من الحرس على الاستيلاء على السلطة، إما بعد وفاة المرشد أو في سياق فوضى داخلية، بما يحوّل إيران من نظام ديني إلى دولة عسكرية مقنّعة. هذا الاحتمال يثير قلقًا مزدوجًا: فهو من جهة قد يضمن تماسك الدولة، لكنه من جهة أخرى قد ينتج نظامًا أكثر صلابة وأقل قابلية للضغط الخارجي.
في ضوء كل ذلك، تبدو الاستراتيجية الأمريكية الحالية أقرب إلى «إدارة الضغط» لا «حسم الصراع». فواشنطن تكدّس أدوات الردع العسكري، وتشدد العقوبات، وتضيّق الخناق على شبكات بيع النفط، وتلوّح بخيارات قصوى كالحصار أو الضربة، لكنها في الوقت نفسه تتجنب القفز إلى مواجهة شاملة غير مضمونة النتائج. أما الحلفاء الخليجيون، فيفضلون مسار الاحتواء والتوازن، إدراكًا منهم أن انهيار إيران المفاجئ قد يكون أكثر خطورة من استمرارها كنظام ضعيف ومحاصر.
هكذا، يمكن الجزم بأن المنطقة تقف أمام لحظة دقيقة: نظام إيراني منهك من الداخل، وقوة أمريكية قادرة على الإيذاء لا على الحسم، وحلفاء إقليميون يضعون الاستقرار الاقتصادي فوق المغامرة العسكرية. وفي هذا الفراغ الاستراتيجي، قد تكون المعركة الحقيقية أقل عسكرية وأكثر اقتصادية ونفسية، تُدار على المدى المتوسط، بانتظار أن يحسم الداخل الإيراني ما عجزت عنه الضربات الخارجية طوال عقود.