شمسان التميمي: القرن الأفريقي يشهد حربا باردة ساخنة وصراع نفوذ|حوار
يشهد القرن الإفريقي واحدًا من أكثر الصراعات تعقيدًا في القارة الإفريقية، حيث تتشابك العوامل السياسية والعرقية والاقتصادية مع التدخلات الإقليمية والدولية وحرب باردة ساخنة على شكل صراع نفوذ.
تمتد بؤر التوتر من السودان وإثيوبيا إلى الصومال وإريتريا، في منطقة ذات أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي المشرف على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
في حوار مع “إيجبتك”، قال شمسان التميمي الباحث في شؤون القرن الإفريقي، إن ما يحدث يمكن وصفه بتصعيد ممنهج لصراعات بالوكالة، مع بناء تحالفات بحرية وأمنية متقابلة قد تتحول إلى مواجهات موضعية.. وإلى نص الحوار:
=كيف ترى التطورات في الصومال بعد الاعتراف بـ"صوماليلاند"؟
اعتراف إسرائيل بصوماليلاند (الإقليم الانفصالي في شمال الصومال) كدولة مستقلة في ديسمبر 2025، هو أول اعتراف من دولة عضو في الأمم المتحدة بهذا الكيان الانفصالي.
هذه الخطوة لم تغيّر فقط وضع الصومال، بل فتحت فصلًا جديدًا في صراع النفوذ على القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وأبرز الآثار على الصومال يمكن تلخيصها في:
•مقديشو اعتبرت الاعتراف اعتداءً مباشرًا على وحدة الصومال وأمنه القومي، وبدأت تتحرك دبلوماسيًّا وإقليميًّا ضد إسرائيل وصوماليلاند، مع تأييد واضح من الاتحاد الإفريقي، الجامعة العربية، الإيغاد، والاتحاد الأوروبي، وكلهم رفضوا الاعتراف رفضا قاطعا. وطرح الصومال نفسه كـ"ضحية تفكيك" أمام المجتمع الدولي، ما عزّز سعيه لحشد دعم لمحور يحمي وحدة الدولة.
•الاعتراف جاء في سياق تنافس متصاعد على البحر الأحمر وباب المندب بين محور تقوده السعودية ومصر وتركيا من جهة، ومحور إمارات–إثيوبيا–إسرائيل من جهة أخرى.
موقع الصومال وسواحله (وملف صوماليلاند بالذات) جعله مركزًا للصراع على الموانئ والقواعد والتفاهمات البحرية.

=ماذا تريد إسرائيل من الصومال والقرن الإفريقي والبحر الأحمر؟
من خلال المعطيات على أرض الواقع، يمكن توضيح الأهداف الإسرائيلية في ثلاثة مستويات مترابطة:
•تأمين باب المندب وخطوط الملاحة فالبحر الأحمر وقناة السويس شريانان حيويان للتجارة الإسرائيلية والعالمية؛ ومع تراجع عمل ميناء إيلات عمليًا بسبب هجمات الحوثيين واضطرابات البحر الأحمر، تبحث إسرائيل عن نقاط تموضع بديلة جنوب هذا الممر. الاعتراف بصوماليلاند يمنحها إمكانية وجود دبلوماسي–أمني قرب ساحل طوله نحو 850 كم مقابل اليمن، وفرص وصول إلى منشآت أو تسهيلات في موانئ مثل بربرا تسمح بمراقبة الحركة البحرية، وجمع المعلومات عن نشاط الحوثيين، ومراقبة أي وجود إيراني أو معادٍ في خليج عدن وباب المندب.
•هدف آخر مرتبط بإيران والحوثيين، فإسرائيل ترى الحوثيين جزءًا من مظلة "أذرع إيران" (مع حزب الله وميليشيات العراق وسوريا)، وتعتبر أن الساحة البحرية جنوب البحر الأحمر باتت ساحة مواجهة غير مباشرة مع طهران. لذلك، وجود نقطة ارتكاز في القرن الإفريقي يحقق لها تحسين القدرة على الرصد المبكر لأي تهديدات صاروخية أو مسيّرة على السفن الإسرائيلية أو المتحالفة معها.
•بدون أن نتناسى أهدافها الجيوسياسية الكيان الصهيوني سيضع موطئ قدم في "رقعة الشطرنج" الجديدة للبحر الأحمر، في ظل وجود منافسة حادة على تشكيل معمار أمني جديد للبحر الأحمر بين محور تسميه بعض الدراسات "محور الوضع القائم" بقيادة السعودية وبدعم من مصر وتركيا وإريتريا والصومال والسودان، يرفع شعار سيادة الدول ووحدة الأراضي، ويقابله محور الإمارات–إثيوبيا–إسرائيل، يعتمد على شبكة موانئ وقواعد وتفاهمات مع كيانات (كصوماليلاند، وجزر وموانئ أخرى).
•هناك مخاوف جادة من ان اعتراف إسرائيل بصوماليلاند سيمكّنها من شراكة أوثق مع إثيوبيا الباحثة عن منفذ بحري وتوظيف البصمة الإماراتية في موانئ المنطقة لخدمة أهدافها الأمنية.

=كيف ترى خطوة إلغاء اتفاقيات الصومال مع الإمارات؟
برأيي، هذه الخطوة تحمل دلالات عميقة استعادة سيادة واستغلال لحظة مواتية في ظل التطورات المتتالية. الحكومة الصومالية برّرت الإلغاء بـ"أدلة على أعمال عدائية تقوّض سيادة الصومال ووحدة أراضيه"، وبالذات ما اعتبرته دعمًا إماراتيًا لكيانات انفصالية وتجاوزًا للحكومة الفدرالية في ملفات الموانئ. التوقيت جاء بعد تصاعد الحديث عن دور أبوظبي في تسهيل مسار الاعتراف بصوماليلاند، والتوتر الواضح بين السعودية والإمارات حول اليمن والبحر الأحمر، ما أتاح لمقديشو أن تتحرك وهي تشعر أن الرياض ليست في صف أبوظبي بل بالعكس تميل إلى تقييد نفوذها وبالتالي ضمان دعم السعودية بثقلها السياسي في المنطقة.
السعودية من جهتها كثّفت انخراطها في الصومال عبر تفاهمات بحرية وأمنية مع مقديشو، واستثمارات في موانئ بديلة، مثل لاسقوري في بونتلاند، لموازنة نفوذ ميناء بيربرا الذي تُمسك به شبكة إماراتية–صوماليلاندية
قرار إلغاء الاتفاقات من قبل الحكومة الصومالية رسالة إلى كل الفاعلين (الإمارات، إثيوبيا، وحتى إسرائيل) واشارة رادعة للآخرين بأن أي تعامل مع كيانات انفصالية أو ترتيبات تتجاوز مقديشو سيواجه برد حاد يشمل إلغاء اتفاقيات وتدويل الأزمة. عمليًا، القرار يقوّض جزءًا من البنية اللوجستية الإماراتية التي كانت تمتد من برابرًا (صوماليلاند) – عدن – سقطرى، ويحرر الصومال للانخراط أكثر مع المحور السعودي–التركي–المصري. بالمحصلة، أرى أن الخطوة ليست انفعالًا ظرفيًا بل جزء من إعادة تموضع استراتيجي للصومال في خريطة المحاور الجديدة في البحر الأحمر.

=هل هدف إسرائيل السيطرة على البحر الأحمر، أم ضرب الحوثيين، أم إشعال الصراع في القرن الإفريقي؟
ما تسعى إليه إسرائيل هو ضمان حرية وأمن الملاحة للسفن الإسرائيلية والحليفة في مسار من مضيق هرمز إلى باب المندب فقناة السويس. وكذلك منع تحوّل جنوب البحر الأحمر وباب المندب إلى "مضيق هرمز ثانٍ" تُمسك بمفاتيحه قوات موالية لإيران أو خصوم لإسرائيل. وهذا يعني تأمين مواقع نفوذ ومراقبة ونقاط ارتكاز.
الحوثيون اليوم أحد أهم المهدّدين للملاحة في البحر الأحمر، وهجماتهم عطّلت جزءًا مهمًا من تجارة العالم، وأضرت بعوائد قناة السويس، بل أجبرت إسرائيل نفسها على تحويل معظم شحناتها لمسارات بديلة مكلفة. لذلك فان مراقبة الحوثيين وقطع خطوط الإمداد هدف أساسي من الانخراط في ساحل القرن الإفريقي المقابل لليمن، والحديث عن تسهيلات أو وجود استخباراتي أو أمني في صوماليلاند يُقرأ في هذا السياق: مواجهة الحوثيين وإيران أكثر من كونه مشروع استعمار بحري.
بدون أن نتجاهل القلق السعودي الطبيعي من خطر المحور الإسرائيلي الاماراتي الذي يتربص بالمنطقة من جنوب اليمن ومن صوماليلاند عبر خليج عدن والأولوية الإسرائيلية اليوم هي أمن الملاحة ومواجهة الحوثيين وإيران، ومستقبلا استهداف دول ذات البعد الاسلامي، ولكنها تتصرف أيضا بأدوات تُسهم فعليًا في زيادة احتمالات الصراع في القرن الإفريقي إذا لم تُضبط إقليميًّا.
كيف ترى إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية على مدخل باب المندب؟
حصول إسرائيل على قاعدة (ولو مقنّعة) في إقليم انفصالي غير معترف به إفريقيًا وعربيًا، يفتح الباب أمام قوى أخرى لاتباع النموذج نفسه. وسيُقرأ في القاهرة والرياض والخرطوم وأسمرة كانحياز حادّ لمحور الإمارات–إثيوبيا، وسيُسرِّع بناء ترتيبات عسكرية مضادة.
لذلك، أرى أن أي خطوة عملية نحو قاعدة إسرائيلية قرب باب المندب ستكون تصعيدًا نوعيًّا، وستنقل البحر الأحمر من مرحلة "حرب نفوذ منخفضة الاحتكاك" إلى حافة صراع مفتوح بالوكالة.

=هل دخل القرن الإفريقي مرحلة صراع بين محورين؟
حتى الآن، ما نراه هو حرب باردة ساخنة على شكل صراع نفوذ في اليمن بين السعودية والإمارات، وانقسام في السودان بين المحورين، وإعادة تموضع في الصومال خروج الإمارات من اتفاقياتها، ودخول السعودية وتركيا بوضوح أكبر إلى الساحة الصومالية.
ما يحدث يمكن وصفه بتصعيد ممنهج لصراعات بالوكالة، مع بناء تحالفات بحرية وأمنية متقابلة قد تتحول إلى مواجهات موضعية (في السودان، اليمن، وربما الصومال). وبالتالي نعم القرن الإفريقي دخل مرحلة "صراع محاور" واضحة المعالم:
•السعودية–مصر–تركيا مع إريتريا والصومال والسودان في جانب.
•مقابل محور الإمارات–إثيوبيا–إسرائيل يصوغ وقائع على الأرض في الموانئ والكيانات الانفصالية.
القرن الإفريقي بالفعل في مرحلة صراع محاور؛ ليس بالضرورة حربًا مباشرة بين مصر والسعودية والسودان وإريتريا من جهة، وإسرائيل والإمارات وإثيوبيا من جهة أخرى، لكنه صراع بنيوي طويل على الموانئ، والمضائق، والخرائط السياسية، مرشح لمزيد من التصعيد إذا غابت ترتيبات إقليمية تضبطه.
الأمر المفجع أن إسرائيل، ذلك العدو التاريخي للأمة الإسلامية والمعتدي على شعوبنا، تجد اليوم من يتواطأ معها من الدول العربية المسلمة وتمهد الطريق لها لترسيخ وجودها المسموم في المنطقة، في خطوة قد تكون بداية مؤامرة مستقبلية حتى ضد هذه الدولة المتواطئة نفسها.