منذ الساعات الأولى للحرب الروسية - الأوكرانية، بدا واضحًا أن المسار العسكري وحده لن يكون كافيًا لحسم الصراع، وأن الدبلوماسية سترافق القتال منذ بدايته، فبعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، لم تنتظر موسكو وكييف طويلًا قبل فتح قنوات التفاوض، إذ انعقدت أول مفاوضات رسمية مباشرة بعد ثلاثة أيام فقط، في 28 فبراير 2022، على الأراضي البيلاروسية.
هذه السرعة في اللجوء إلى التفاوض عكست إدراك الطرفين لخطورة الانزلاق إلى حرب طويلة، لكنها في الوقت نفسه كشفت حجم التباعد بين الأهداف السياسية لكل طرف.
في تلك المرحلة المبكرة، جرت عدة جولات تفاوضية خلال شهري مارس وأبريل 2022، بداية في بيلاروسيا ثم عبر لقاءات مباشرة وغير مباشرة، وصولًا إلى تركيا، ورغم تعدد الجولات، فإنها لم تُفضِ إلى وقف لإطلاق النار، لكنها مهّدت لأهم محطة تفاوضية في مسار الحرب، وهي محادثات إسطنبول في 29 مارس 2022.
في تلك الجولة، قدّم الطرفان ما عُرف لاحقًا باسم بيان إسطنبول، وهو ليس اتفاق سلام موقّعًا، بل إطارًا سياسيًا تفاوضيًا يُفترض أن يكون أساسًا لتسوية شاملة لو كُتب له الاستمرار.
بيان إسطنبول شكّل لحظة فارقة لأنه تضمّن، وللمرة الأولى، تصورًا متكاملًا لشكل العلاقة المستقبلية بين روسيا وأوكرانيا، فقد نصّ على مبدأ حياد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، مقابل حصولها على ضمانات أمنية دولية من مجموعة من الدول الكبرى، بما يشبه صيغة دفاع جماعي في حال تعرضها لهجوم، كما تضمّن البيان تأجيل البت في القضايا الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها شبه جزيرة القرم، لعدة سنوات، وترك وضع مناطق دونيتسك ولوغانسك لمسارات تفاوضية لاحقة، إضافة إلى خفض التصعيد وسحب القوات الروسية من محيط كييف، وهو ما تحقق جزئيًا في الأسابيع التالية.
غير أن هذا الإطار، الذي بدا واعدًا على الورق، اصطدم سريعًا بالواقع السياسي والعسكري، فقد انهار مسار إسطنبول خلال أبريل 2022 بسبب انعدام الثقة، وتصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، وتباين جذري حول طبيعة الضمانات الأمنية. روسيا، وفق ما تسرب لاحقًا، سعت إلى إدخال آلية تُعطيها حق الاعتراض على أي تدخل عسكري من الدول الضامنة، وهو ما اعتبرته أوكرانيا تفريغًا للضمانات من مضمونها، ومع تغيّر موازين القتال، انتقل الطرفان من منطق التسوية إلى منطق الحسم، فتوقفت المفاوضات كليًا.
على مدى الأعوام اللاحقة، ظلّت الحرب مستعرة، بينما بقيت قنوات الحوار مغلقة تقريبًا، إلى أن عادت الدبلوماسية بحذر في عام 2025، ففي فبراير من ذلك العام، استضافت الرياض لقاءً مهمًا بين مسؤولين روس وأميركيين، لم يكن تفاوضًا مباشرًا مع أوكرانيا، لكنه عكس محاولة أميركية لإعادة فتح مسار سياسي عبر التفاهم مع موسكو أولًا. هذه اللقاءات، التي تواصلت في مارس 2025، ركزت على قضايا مثل وقف جزئي لإطلاق النار وحماية البنية التحتية، وأسست لدور سعودي-دولي في تهيئة الأجواء دون الدخول في جوهر الخلافات.
في مايو 2025، عادت إسطنبول لتكون مسرحًا للمفاوضات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا لأول مرة منذ ثلاث سنوات. هذه الجولة، التي عُقدت في 15 مايو، لم تُنتج اتفاقًا سياسيًا، لكنها حققت اختراقًا إنسانيًا مهمًا تمثّل في الاتفاق على تبادل واسع للأسرى، في إشارة إلى أن الطرفين باتا أكثر استعدادًا لإدارة الصراع بدلًا من إنهائه، واستمرت لقاءات لاحقة في إسطنبول ركزت على ملفات إنسانية وتقنية، بينما بقيت القضايا الجوهرية، مثل الأراضي والضمانات الأمنية، دون حل.
مع دخول عام 2026، برزت أبوظبي كمحطة جديدة في المسار التفاوضي، حيث استضافت في 23 يناير مفاوضات ثلاثية ضمّت روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، في أول لقاء من هذا النوع منذ بداية الحرب. هذه المفاوضات لم تُطرح بوصفها مسار سلام نهائي، بل كجهد لإعادة تنظيم الحوار ومنع الانفجار الأوسع للحرب. التوقعات منها كانت محدودة: خفض التصعيد، فتح قنوات تواصل ثابتة، وربما التوصل إلى تفاهمات إنسانية أو تقنية، دون الاقتراب من الملفات السيادية الكبرى مثل القرم أو دونباس أو مستقبل أوكرانيا في المنظومة الأمنية الغربية.
أعتقد أن المفاوضات التي استضافتها أبوظبي بين روسيا وأوكرانيا، بمشاركة الولايات المتحدة، جرت ضمن إطار مرحلي متدرج تعمّد تجنب الإعلان عن نتائج نهائية أو اتفاقات حاسمة، فقد ركزت هذه المحادثات على إعادة فتح قنوات التواصل بعد سنوات من الجمود، وبحث ملفات محدودة ذات طابع إنساني وتقني مثل تبادل الأسرى، وضمان حماية البنية التحتية الحيوية، ومنع توسّع رقعة التصعيد العسكري.
ووفق ما نقلته مصادر دبلوماسية وإعلامية، فإن غياب بيان ختامي واضح لا يعكس فشل المفاوضات بقدر ما يعكس طبيعتها التجريبية، حيث تسعى الأطراف إلى اختبار النوايا وبناء حد أدنى من الثقة دون تحمّل كلفة سياسية داخلية أو تقديم تنازلات استراتيجية مبكرة. بهذا المعنى، تبدو مفاوضات أبوظبي محطة انتقالية في مسار أطول، هدفها تثبيت الحوار وإدارة الصراع مرحليًا، لا التوصل إلى تسوية شاملة في هذه المرحلة.
ويظل نجاح المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، من بيلاروسيا إلى إسطنبول إلى الرياض إلى ألاسكا وواشنطن وبرلين، وكذلك بودابست، وصولًا إلى أبوظبي، مشروطًا بعوامل تتجاوز طاولة التفاوض نفسها، وعلى رأسها ميزان القوى العسكري والدعم الدولي.
ما يمكن أن تنجح فيه هذه المفاوضات هو خفض التصعيد، وتنظيم الصراع، والتوصل إلى تفاهمات إنسانية أو تقنية، كما حدث في ملفات تبادل الأسرى وحماية البنية التحتية.
أما النجاح بمعناه الكامل، أي التوصل إلى اتفاق سلام شامل ينهي الحرب ويعالج قضايا الأرض والضمانات الأمنية والانضمام إلى التحالفات، فلا تزال فرصه ضعيفة في ظل استمرار الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، وإصرار روسيا على مكاسب استراتيجية لا تبدو كييف مستعدة للاعتراف بها.
المسار التفاوضي بين روسيا وأوكرانيا منذ 2022 يكشف عن نمط متكرر: جولات تفاوض تظهر كلما بلغ الصراع نقطة حرجة، ثم تتعثر حين تصطدم بعقدتين أساسيتين هما الأرض والضمانات الأمنية.
بيان إسطنبول يبقى حتى اليوم رمزًا لـ«الفرصة الضائعة»، لأنه مثّل أقرب لحظة إلى تسوية سياسية شاملة، بينما تعكس جولات الرياض وأبوظبي منطقًا جديدًا يقوم على إدارة الصراع. وبين هذين المسارين، تظل الحرب مفتوحة على احتمالات متعددة، بانتظار لحظة توازن حقيقي تجعل السلام خيارًا أقل كلفة من استمرار القتال.