رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن تسييس الهويات في العالم العربي ظاهرة عفوية أو نتاجًا طبيعيًا للتنوع الاجتماعي، بل كان في كثير من الحالات خيارًا سياسيًا واعيًا استُخدم كأداة للحكم وضبط المجتمع. ففي ظل هشاشة الدولة الحديثة، وغياب العقد الاجتماعي الجامع، لجأت أنظمة سياسية إلى استدعاء الطائفية والقبلية والإثنية، لا بوصفها مكونات ثقافية غنية، بل كوسائل لضمان الولاء السياسي وتثبيت السلطة. وهكذا تحولت الهوية من فضاء انتماء طبيعي إلى أداة فرز وإقصاء، تُدار من أعلى وتُوظَّف لخدمة توازنات الحكم لا لبناء مجتمع متماسك.

اعتمد هذا النمط من الحكم على منطق بسيط وخطير في آنٍ واحد: تقسيم المجتمع إلى جماعات متنافسة، ومنح كل جماعة شعورًا بالحماية المشروطة من الدولة، مقابل ولائها السياسي. فالطائفة أو القبيلة أو الجماعة الإثنية تصبح وسيطًا بين الفرد والسلطة، وتحل محل المواطنة باعتبارها أساس العلاقة بالدولة. وبهذا، لا يعود الفرد مواطنًا متساوي الحقوق والواجبات، بل عضوًا في جماعة تُحدِّد موقعه الاجتماعي وفرصه الاقتصادية وحدود مشاركته السياسية. قد يحقق هذا المنطق استقرارًا قصير المدى، لكنه استقرار قائم على الخوف المتبادل لا على الثقة، وعلى توازن هش لا على عقد وطني راسخ.

في هذا السياق، جرى تضخيم الفوارق الهوياتية، وإعادة إنتاجها عبر التعليم والإعلام والخطاب السياسي، حتى باتت جزءًا من الوعي العام. لم تعد الهويات الفرعية مجرد انتماءات ثقافية أو اجتماعية، بل تحولت إلى خطوط تماس سياسية، تُستدعى عند الأزمات، وتُستثمر عند الحاجة. ومع الوقت، تآكلت فكرة المصلحة العامة، وحلّ محلها منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ، حيث يُنظر إلى الدولة كغنيمة تتقاسمها الجماعات، لا كإطار جامع يخدم الجميع.

هذا الاستخدام السياسي للهويات كان له أثر مباشر في تعطيل بناء دولة المواطنة. فالدولة التي تُدار بمنطق الانتماء لا بمنطق الكفاءة، تعجز بطبيعتها عن تحقيق تنمية مستدامة أو عدالة اجتماعية. تُوزَّع الوظائف والموارد وفق اعتبارات الولاء، لا الاستحقاق، ما يؤدي إلى ضعف المؤسسات، وتراجع الإنتاجية، وتفشي الفساد. كما أن غياب المساواة أمام القانون يخلق شعورًا دائمًا بالغبن لدى الفئات المهمَّشة، ويدفعها إما إلى الانكفاء داخل هوياتها الفرعية أو إلى التمرّد على الدولة نفسها.

ورغم أن تسييس الهويات قد يوفّر للسلطة أدوات فعّالة للضبط والسيطرة، فإنه في العمق يزرع بذور التفكك طويل الأمد. فالمجتمع المُجزّأ هوياتيًا يصبح أقل قدرة على مواجهة الأزمات الكبرى، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية.

وعند أول اهتزاز حقيقي في بنية الدولة، تتحول هذه الهويات المُسيّسة إلى أدوات صراع مفتوح، حيث يسعى كل طرف إلى حماية نفسه على حساب الآخرين، فتنهار الثقة، ويتراجع منسوب التضامن، وتدخل البلاد في دوامة عنف يصعب الخروج منها.

الأخطر من ذلك، أن هذا النمط من الحكم يُضعف الدولة ذاتها. فالدولة التي تعتمد على الانقسامات المجتمعية لضمان بقائها، تفقد تدريجيًا قدرتها على احتكار العنف المشروع، وعلى فرض القانون بشكل عادل.

ومع الوقت، تنشأ قوى موازية تستند إلى الهوية لا إلى الشرعية القانونية، وتبدأ بتحدي سلطة الدولة أو تقاسمها معها.

وهكذا، يتحول الاستقرار الظاهري إلى قشرة رقيقة تخفي تحتها تصدعات عميقة في بنية المجتمع والدولة.

إن المفارقة الكبرى في تسييس الهويات تكمن في كونه يقدّم نفسه كحل لمشكلة الاستقرار، بينما هو في الحقيقة يؤجل الانفجار ولا يمنعه.

فهو يشتري الهدوء المؤقت بثمن التفكك المستقبلي، ويؤسس لنظام سياسي عاجز عن التجدد أو الإصلاح. فكل محاولة للتغيير تُفسَّر على أنها تهديد لتوازنات الهويات، وكل إصلاح يُواجَه بخطاب التخويف من الآخر، ما يغلق الأفق أمام أي تحول سلمي حقيقي.

الخلاصة، لا يمكن بناء دولة قوية على أساس هويات مُسيّسة ومجتمع مُجزّأ. فالدولة الحديثة لا تستقيم إلا بعقد مواطنة جامع، يعترف بالتنوع ويحميه دون تحويله إلى أداة صراع. أما الاستقرار القائم على الطائفية والقبلية والإثنية، فليس سوى استقرار زائف ومؤقت، يخفي تحته تفككًا حقيقيًا يتعمّق بمرور الزمن.

ومع كل تأجيل لمواجهة هذه الحقيقة، ترتفع كلفة الإصلاح، ويصبح الانتقال من منطق الهوية إلى منطق المواطنة أكثر صعوبة، وإن كان أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء