رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شكّل إعلان استرجاع جثة آخر أسير إسرائيلي من قطاع غزة حدثًا سياسيًا مفصليًا، ليس فقط لأنه يُغلق للمرة الأولى منذ عام 2014 ملف الأسرى الإسرائيليين، بل لأنه يُسقط الذريعة المركزية التي استخدمتها إسرائيل لإدارة الحرب والمماطلة في تنفيذ استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار. كما أن التصريحات الأمريكية المتقدمة التي وصفت هذا التطور بـ«الإنجاز التاريخي»، وأقرت بتعاون حركة حماس والتزامها الكامل بمسار التبادل، تؤكد بوضوح أن الجانب الفلسطيني أوفى بالتزاماته السياسية والأمنية وفق الاتفاق.


غير أن خطورة هذه اللحظة لا تكمن في الحدث ذاته، بل في كيفية توظيفه سياسيًا؛ إذ لا يُستخدم إغلاق ملف الأسرى كمدخل طبيعي للانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب، بل يجري استثماره إسرائيليًا–أمريكيًا لإعادة صياغة شروط المرحلة التالية من موقع التفوق، وتحويل اتفاق وقف إطلاق النار من مسار لإنهاء الحرب إلى أداة لإعادة هندسة قطاع غزة سياسيًا وأمنيًا، وبما يفرغه من مضمونه الأصلي.


في هذا السياق، تتبلور الرؤية الإسرائيلية–الأمريكية للمرحلة الثانية بوضوح غير مسبوق: لا إعمار قبل نزع السلاح، ولا انسحاب، ولا سيادة فلسطينية فعلية. تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مجرم الحرب، المتكررة بأن إسرائيل ستسيطر أمنيًا «من النهر إلى البحر»، وأن المرحلة الثانية تعني تجريد غزة من السلاح لا إعادة إعمارها، تتقاطع تمامًا مع الموقف الأمريكي الذي يعتبر نزع سلاح الفصائل «مصلحة لشعب غزة»، ويمهّد لإعلان مهلة زمنية نهائية لتحقيق هذا الهدف. ويكشف هذا التلاقي أن الحديث عن «مجلس السلام» ولجنة التكنوقراط ومسارات الإعمار ليس مشروع تعافٍ حقيقيا، بقدر ما هو إطار لإدارة طويلة الأمد لقطاع منزوع القوة، خاضع للرقابة، ومفتوح على الاستنزاف السياسي والاقتصادي.


الأخطر أن مشاريع الإعمار الأمريكية المطروحة تُدار وفق رؤية إسرائيلية تبدأ من جنوب القطاع وتتقدم شمالًا وتُنفّذ تحت إشراف أمني مباشر يبدأ بإزالة الأنقاض والذخائر «لدواعٍ أمنية»، رغم أن هذه الأنقاض تحتوي على مليارات الدولارات من الحديد والألمنيوم والمواد القابلة لإعادة التدوير والاستخدام في عملية الإعمار نفسها. هذا النهج يكرّس تحكم الاحتلال بالجغرافيا والوتيرة والمسار، ويحوّل الإعمار إلى عملية مشروطة ومسيّسة، لا إلى استحقاق إنساني ووطني.

ويمثّل معبر رفح النموذج الأوضح لهذا الابتزاز المنهجي. فبينما يجري الترويج إعلاميًا لفتحه من الجانب الفلسطيني، تكشف الترتيبات العملية عن فتح جزئي شديد التقييد، يتراوح بين 50 و150 شخصًا يوميًا، تحت رقابة أوروبية شكلية، وفحص أمني إسرائيلي مباشر أو غير مباشر عبر جهاز الشاباك، مع تسليم يومي لقوائم المسافرين للمصادقة. هذا النمط لا يعكس فتحًا سياديًا فلسطينيا للمعبر، او حتي وفق اتفاق ٢٠٠٥ ،  بل يفتح المعبر وفق إدارة أمنية تُبقي السيطرة الإسرائيلية قائمة علي الجانب الفلسطينيمن المعبر، وتحوّل المعبر إلى أداة ضغط سياسية وإنسانية .


وتتضاعف خطورة هذا الواقع في ظل الوضع الصحي والإنساني الكارثي في قطاع غزة: أكثر من 20 ألف مريض بانتظار السفر للعلاج، و440 حالة إنقاذ حياة عاجلة عالقة، فضلًا عن آلاف الطلبة وأصحاب الحاجات الإنسانية الذين يحتاجون إلى السفر، وآلاف آخرين ينتظرون العودة إلى القطاع. هذا الواقع لا يُستخدم فقط كنتيجة مباشرة للحرب، بل يجري توظيفه كأداة لإخضاع غزة لمعادلة قاسية عنوانها: الحد الأدنى من الحياة مقابل الشروط الأمنية.


في المقابل، يُطرح مسار لجنة التكنوقراط الفلسطينية كمدخل لتحسين إدارة الشأن الإنساني والخدماتي، بدعم مصري وعربي ودولي، وبمواكبة أممية وأوروبية. ورغم الأهمية العملية لهذا المسار في إدخال المساعدات، والبيوت المؤقتة، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، إلا أن الخطورة تكمن في عرقلة الاحتلال لهذه الجهود وتوظيفها كغطاء لإدامة واقع «تهدئة بلا انسحاب وبلا إعمار». 

 

والأخطر من ذلك هو ربط هذا المسار، صراحة أو ضمنًا، بشرط نزع السلاح، دون ضمانات دولية حقيقية، ودون دخول قوات الحماية الدولية ، ودون تفكيك المليشيات المرتبطة بالاحتلال، أو إنهاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية، أو ترتيب الوضع الأمني الداخلي الفلسطيني على أساس وطني جامع، بما يشمل دور الشرطة الفلسطينية ضمن سياق سيادي متوافق عليه. في هذه الحالة، يتحول المسار الإنساني إلى أداة تفريغ سياسي، ويفتح الباب أمام «صوملة» غزة، واستنزافها طويل الأمد، ودفع سكانها تدريجيًا نحو الهجرة القسرية .

إقليميًا، تبقى مصر اللاعب الأثقل والأكثر حساسية في هذا المشهد. فالقاهرة تنظر بقلق بالغ إلى توسيع «الخط الأصفر»، وإدارة معبر رفح من الجانب الفلسطيني بآليات إسرائيلية غير مباشرة، وربط الإعمار بنزع السلاح، لما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي المصري، وإحياء فعلي لمخاطر التهجير، واحتمالات عودة الحرب في غزة. لذلك تعمل مصر على تثبيت فتح المعبر، ودعم عمل لجنة التكنوقراط، ومنع انهيار الاتفاق، باعتباره الحد الأدنى الذي يمنع الانفجار الشامل. 


وفي هذا الإطار، تواصل كل من قطر وتركيا، إلى جانب مصر، دورها في الحفاظ على الاتفاق ورفض ربط الإعمار والاستجابة الإنسانية بالضعوط الإسرائيلية، والدعوة إلى فصل المسار الإنساني باعتباره حقًا أصيلًا للشعب الفلسطيني. 


في المقابل، يكتفي الاتحاد الأوروبي بدور رقابي تقني محدود، دون قدرة حقيقية على فرض تغيير سياسي، بينما تواصل الولايات المتحدة دعمها لإسرائيل أمنيًا وسياسيًا، مع ممارسة ضغوط محسوبة لمنع الانهيار الكامل، والاستعداد لاستخدام ملف نزع السلاح كعنوان للمرحلة المقبلة، حتى لو قاد ذلك إلى إعادة إنتاج الصراع بأدوات أقل صخبًا.

السيناريوهات المحتملة
1. سيناريو التثبيت الهش (الأرجح):
فتح جزئي للمعابر من الجانب الفلسطيني، تشغيل محدود للجنة التكنوقراط، وتحسين إنساني نسبي، مقابل استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية وتأجيل القضايا الجوهرية.


2. سيناريو الانقلاب المنظّم:
فرض مهلة زمنية لنزع السلاح، تعطيل الإعمار الكامل، توسيع السيطرة الميدانية، مع احتمالات جدية للعودة إلى التصعيد.
3. سيناريو الضغط المتوازن:
نجاح مصر والوسطاء في المسار الإنساني ، وتثبيت انسحاب تدريجي، وفتح أفق لتعافٍ حقيقي.

 


خاتمة : 
رغم استرجاع جثة آخر أسير ونبش قبور الفلسطينيين والتنكيل بالجثث وارتكاب كل الجرائم الدولية،  فإن هذه الخطوة لا تغلق ملف الابتزاز السياسي الإسرائيلي، بل تفتح معركة جديدة على تعريف المرحلة الثانية في تجاوز لقرار مجلس الأمن ٢٨٠٣ ، ولعل أخطر هذه التجاوزات تتمثل في محاولة فرض معادلة: نزع السلاح قبل الإعمار، وفتح مشروط للمعابر من الجانب الفلسطيني، وتعافٍ بلا سيادة، وحصار وضبط أمني طويل الأمد.

 

 وما لم تُفرض ضمانات دولية حقيقية، ويُفصل المسار الإنساني عن الابتزاز السياسي، ويُربط أي نقاش حول السلاح بإنهاء الاحتلال لا بإعادة إنتاجه، فإن قطاع غزة سيبقى عالقًا بين هدنة هشّة وحرب مؤجلة، بأدوات أقل صخبًا وأكثر خطورة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء