ذكرى وفاة جوهر الصقلي مؤسس القاهرة وباني الجامع الأزهر
يعد جوهر الصقلي واحدًا من أهم القادة العسكريين في التاريخ الفاطمي، وأحد الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل ملامح الدولة الفاطمية في مصر، إذ ارتبط اسمه بفتح البلاد وتأسيس مدينة القاهرة وبناء الجامع الأزهر، قبل أن يرحل عن عالمنا في 28 يناير عام 992 ميلاديًا، بعد مسيرة سياسية وعسكرية تركت أثرًا بالغًا في التاريخ الإسلامي.
ولد جوهر الصقلي في جزيرة صقلية عام 928 ميلاديًا، وكان من أصل يوناني، وعُرف أيضًا بلقب «جوهر الرومي»، وخلال فترة مبكرة من حياته أُسر في إحدى الحروب التي دارت بمنطقة البحر المتوسط، لينتقل بعدها إلى شمال إفريقيا حيث دخل في خدمة الدولة الفاطمية.
ومع مرور الوقت، أثبت جوهر قدرات استثنائية في القيادة والتنظيم، ما جعله يحظى بثقة الخلفاء الفاطميين، خاصة الخليفة المنصور بالله، الذي قربه إليه وأسند له مهام عسكرية مهمة.
صعود داخل الدولة الفاطمية
بلغ جوهر الصقلي ذروة نفوذه في عهد الخليفة المعز لدين الله، الذي أعتقه وجعله من كبار قادة الدولة الفاطمية والمقربين من البلاط. وخلال تلك المرحلة، برز جوهر كقائد عسكري محنك، يمتلك رؤية سياسية واضحة، وقدرة على إدارة الحملات العسكرية الكبرى، وهو ما أهّله لقيادة أهم مشروع توسعي في تاريخ الفاطميين، والمتمثل في فتح مصر.
فتح مصر وتحول تاريخي
في عام 969 ميلاديًا، قاد جوهر الصقلي الجيوش الفاطمية إلى مصر، التي كانت آنذاك تحت حكم الإخشيديين وباسم الخلافة العباسية. ودخل جوهر مدينة الفسطاط بعد تراجع نفوذ الدولة العباسية وضعف السيطرة الإخشيدية، لتصبح مصر ولاية تابعة للخلافة الفاطمية، وكان هذا الفتح نقطة تحول تاريخية، إذ نقل مركز ثقل الدولة الفاطمية من المغرب إلى قلب العالم الإسلامي.
تأسيس القاهرة وبناء الأزهر
بعد تثبيت الحكم الفاطمي في مصر، كلّف الخليفة المعز لدين الله جوهر الصقلي بتأسيس مدينة جديدة تكون عاصمة للدولة، فأنشأ مدينة القاهرة عام 969 ميلاديًا.
ولم يقتصر دوره على التخطيط العمراني، بل أمر أيضًا ببناء الجامع الأزهر ليكون مركزًا دينيًا وعلميًا، وهو ما جعل القاهرة لاحقًا منارة للعلم والثقافة في العالم الإسلامي، ولا يزال الأزهر يؤدي دوره حتى اليوم.
توسعات وصراعات
واصل جوهر الصقلي حملاته العسكرية خارج مصر، ونجح في إخضاع فلسطين للحكم الفاطمي، قبل أن يتوقف تقدمه عند بلاد الشام التي كانت تخضع آنذاك لسيطرة القرامطة، وعلى الرغم من عدم تمكنه من ضم الشام بالكامل، فإنه نجح في تأمين حدود الدولة الفاطمية وتثبيت نفوذها في المنطقة.
حكم مصر ومواجهة الأخطار
تولى جوهر الصقلي حكم مصر نيابة عن الخليفة الفاطمي لمدة أربع سنوات، إلى أن وصل المعز لدين الله إلى القاهرة عام 973 ميلاديًا واتخذها مقرًا للخلافة، وبعد سنوات من استقراره، عاد جوهر إلى الواجهة مرة أخرى عندما استعان به الخليفة لمواجهة خطر القرامطة في بلاد الشام عام 974 ميلاديًا، تقديرًا لخبرته العسكرية وقدرته على إدارة الأزمات.
توفي جوهر الصقلي في القاهرة عام 992 ميلاديًا، بعد أن ترك إرثًا تاريخيًا ما زال حاضرًا حتى اليوم.
فقد تحولت القاهرة إلى عاصمة للخلافة الفاطمية، وأصبحت مصر مركزًا سياسيًا ودينيًا وعلميًا مؤثرًا، وانتشرت العلوم والمعارف في أروقة الجامع الأزهر، الذي ظل شاهدًا حيًا على الدور الحضاري الذي لعبته الدولة الفاطمية، وعلى المكانة التي احتلها جوهر الصقلي في تاريخ مصر.