«تبيع بالجملة وتحصّل بالقطاعي».. نفط إيران خارج الخزينة|تقرير
نجحت طهران خلال العام الماضي في تصدير كميات نفط هي الأعلى منذ عام 2018، إلا أن المفارقة الصادمة تكمن في انخفاض العوائد المالية التي تدخل خزينة النظام، غير أن "شبكة من الوسطاء" والمطالب الصينية المتزايدة تحول النفط الإيراني إلى تجارة مرتفعة المخاطر وقليلة الربح.
وأوضحت القناة الـ12 الإسرائيلية، أنه في الوقت الذي تتباهى فيه طهران بقدرتها على كسر الحصار النفطي، تكشف البيانات المالية عن واقع مرير؛ فالنظام الإيراني يبيع أكثر، لكنه يقبض أقل، والسبب ليس انخفاض الطلب، بل "تغول" الوسطاء والأطراف الثالثة الذين يستغلون ضائقة إيران لفرض عمولات باهظة مقابل خدمات "التهريب" والالتفاف على العقوبات الدولية.
"أسطول الأشباح" وعمولات التخفي

تعتمد إيران بشكل كلي على ما يُعرف بـ "أسطول الأشباح"، وهو مئات الناقلات القديمة والمتهالكة التي تجوب البحار بهويات مزيفة لإخفاء مصدر الشحنات، فإن كل خطوة في هذه الرحلة—من التحميل إلى النقل ثم البيع—أصبحت تكلف طهران مبالغ مضاعفة.
ويشير خبراء في قطاع الطاقة إلى أن الجميع يحصل على "قطعة من الكعكة"؛ شركات الشحن، المتربحون، والوسطاء يدركون أن طهران لا تملك بدائل، فيرفعون أسعارهم لمستويات قياسية، مما يترك فتات الأرباح فقط في خزائن البنك المركزي الإيراني.
ضغوط صينية ومنافسة روسية
لا يتوقف النزيف عند عمولات النقل، بل يمتد إلى "المحطة الأخيرة" في الصين، حيث أن المصافي الصينية الصغيرة، المعروفة باسم "أباريق الشاي" (Teapots)، تستغل وضع إيران المنبوذ دولياً لفرض خصومات هائلة.
اتساع الفجوة السعرية
في بداية عام 2025، كان فارق السعر بين برميل النفط الإيراني وبرميل "برنت" العالمي دولاراً واحداً فقط، وبحلول نهاية العام، قفزت هذه الفجوة لتصل إلى 8 دولارات للبرميل الواحد.
كما تواجه طهران المنافسة الشرسة من النفط الروسي، الذي طُرد من الأسواق الغربية، بات ينافس النفط الإيراني في السوق الآسيوية، مما منح المشترين الصينيين ورقة ضغط إضافية للمطالبة بخصومات أعمق من الإيرانيين.
ترامب والمعادلة المتغيرة: ضربة وفائدة؟

بينما تواصل إدارة ترامب تشديد الخناق الاقتصادي عبر فرض عقوبات جديدة على غاسلي الأموال وملاحقة ناقلات "أسطول الأشباح"، تظهر في الأفق متغيرات غير متوقعة:
تزايدت مخاطر مصادرة الشحنات وارتفعت تكاليف التأمين، مما عقد عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى (STS) في عرض البحر، وأدى قرار ترامب الأخير بمنع صادرات النفط الفنزويلي إلى الصين ومصادرة ناقلاتها إلى إزاحة منافس قوي لإيران في السوق الصيني، وهو ما قد يمنح طهران فرصة لتعويض بعض خسائرها في المجلدات، وإن لم يكن في الأسعار.
الأزمة الداخلية: اقتصاد يغرق ودماء في الشوارع
هذا التراجع في صافي الأرباح يلقي بظلال ثقيلة على الداخل الإيراني، لأن النقص الحاد في العملة الصعبة أدى إلى انهيار "الريال" الإيراني، مما أشعل موجة احتجاجات عارمة في الأسابيع الأخيرة. التقارير تشير إلى أن القمع العنيف لهذه الاحتجاجات أسفر عن سقوط آلاف القتلى، في انعكاس مباشر للأزمة الاقتصادية التي لم تعد الدولة قادرة على احتوائها.
ستستمر إيران في إيجاد طرق لبيع نفطها، لكن الثمن باهظ جداً. النفط يتدفق، لكن الأرباح تتبخر في جيوب المنتفعين (الوسطاء) ومخاطر التهريب، مما يترك النظام أمام معضلة اقتصادية لا حل لها في الأفق القريب.