يقع بجوار جرينلاند.. أرخبيل جزر سفالبارد يُشعل الصراع بين القوى العالمية
يتصاعد الصراع بين القوى الكبرى في القطب الشمالي، ولم يعد مقتصراً على جرينلاند وحدها، بل امتد إلى أرخبيل جزر سفالبارد النرويجي، الذي كان يُعد حتى وقت قريب نموذجاً نادراً للتعاون الدولي، لكن هذا الوضع آخذ في التغيّر، مع سعي النرويج إلى تشديد سيطرتها على الجزر الشمالية في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة، كما يبرز تقرير لصحيفة نيويورك تايمز نقلته كوريير إنترناشونال.
سفالبارد أرخبيل معزول يقع عند خطوط عرض عليا قرب القطب الشمالي، وهو تابع رسمياً للنرويج، لكنه يخضع لمعاهدة فريدة تعود إلى عام 1920، تسمح لمواطني الدول الموقعة بالإقامة والعمل فيه دون تأشيرة، وتمنحهم حقوقاً متساوية في الصيد والتعدين وامتلاك الأراضي، مع حظر استخدامه لأغراض عسكرية، وقد جعلت هذه المعاهدة من سفالبارد مساحة مفتوحة للعلماء والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

تعايش مشترك
لسنوات طويلة، شكّلت محطة ني-أوليسوند للأبحاث القطبية نموذجاً لهذا الانفتاح، حيث عمل علماء صينيون وأوروبيون جنباً إلى جنب، وتعايش نرويجيون وروس في أنشطة علمية واجتماعية مشتركة. غير أن هذا المناخ التعاوني بدأ يتآكل، مع اتجاه أوسلو إلى فرض قيود جديدة تهدف، بحسب الحكومة، إلى حماية السيادة والأمن القومي.
خلال الأعوام الأخيرة، ألغت النرويج حقوق التصويت للأجانب المقيمين في سفالبارد، وقيّدت بيع الأراضي للمشترين الأجانب، وفرضت رقابة أشد على الباحثين غير النرويجيين، كما أكدت سيطرتها على مساحات واسعة من قاع البحر المحيط بالأرخبيل. هذه الإجراءات أثارت قلقاً واسعاً لدى شركاء النرويج وحلفائها، لا سيما في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، الذين يرون أن معاهدة سفالبارد تفرض قيوداً واضحة على السيادة النرويجية.

تبرر أوسلو هذه الخطوات بأن العالم دخل مرحلة أكثر عدائية، مع تفاقم آثار التغير المناخي واشتداد السباق على الموارد الطبيعية، إضافة إلى وصول تنافس القوى الكبرى إلى القطب الشمالي. وترى السلطات أن ترك سفالبارد من دون ضوابط صارمة قد يحولها إلى منصة لقوى معادية.
تزداد أهمية الأرخبيل بسبب موقعه الاستراتيجي، إذ يُعد من أفضل المواقع العالمية لتحميل بيانات الأقمار الصناعية ورصد مسارات الصواريخ، فضلاً عن احتوائه على موارد معدنية ثمينة في قاع البحار المحيطة به، تشمل عناصر أرضية نادرة ضرورية للتقنيات الحديثة، وتمنح السيطرة على سفالبارد نفوذاً واسعاً في القطب الشمالي.
في هذا السياق، تتهم الولايات المتحدة باحثين صينيين بإجراء أبحاث ذات طابع عسكري في الأرخبيل، وهو ما تنفيه بكين. أما روسيا، فتستخدم خطاباً يعتبره النرويجيون مقلقاً، إذ شبّه بعض المسؤولين الروس وضع سفالبارد بخطاب “حماية الناطقين بالروسية” الذي سبق غزو أوكرانيا.
تاريخياً، كانت سفالبارد أرضاً قاحلة شبه مهجورة، ولم تبدأ المطالبات الرسمية بها إلا بعد الحرب العالمية الأولى، عندما مُنحت النرويج السيادة المشروطة عليها. ومنذ ذلك الحين، انضمت نحو 50 دولة إلى معاهدة سفالبارد، من بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين، ما جعل الأرخبيل حالة فريدة في القانون الدولي.
التنافس في أعماق البحار
التنافس لا يقتصر على اليابسة، بل يمتد إلى أعماق البحار. فقد أعلنت الحكومة النرويجية في يناير 2024 نيتها إطلاق بعثات للتنقيب عن المعادن في المياه العميقة، بما في ذلك المناطق المحيطة بسفالبارد. أثار هذا الإعلان اعتراضات بيئية داخلية وانتقادات دولية، إذ اعتبرت روسيا وأيسلندا والاتحاد الأوروبي أن الخطوة تتجاوز حدود المعاهدة.
وتحت ضغط سياسي داخلي، وافقت الحكومة على تأجيل إصدار تراخيص التعدين أربع سنوات، مع التأكيد على استمرار هدف استغلال الموارد “بشكل مربح ومستدام”.
على المستوى الإنساني، أثّرت هذه التحولات على حياة المقيمين الأجانب. فالأخوان التايلانديان ناثابول وناتاناغورن نانثاويزيت، اللذان نشآ في سفالبارد ويعتبران نفسيهما نرويجيين، يعبّران عن قلقهما من القيود الجديدة، خاصة بعد تقليص حقوق التصويت للأجانب. وتؤكد السلطات النرويجية أن هذه الإجراءات ضرورية، وأن المعاهدة تضمن المساواة في الوصول لا في الحقوق السياسية.
كما شددت الحكومة قبضتها على ملكية الأراضي، إذ قيّدت بيع آخر المساحات الخاصة الكبيرة في الأرخبيل بذريعة الأمن القومي، ما أثار نزاعاً قانونياً مع الملاك الذين يتهمون الدولة بمحاولة إجبارهم على البيع بأسعار زهيدة.

أراضي الأرخبيل ليست للبيع
تسيطر الحكومة النرويجية بالفعل على 99% من أراضي سفالبارد، لكنها لن تتنازل عن شبر واحد من النسبة المتبقية. منذ نحو عشر سنوات، يحاول أفراد نرويجيون بيع قطعة أرض مساحتها 50 كيلومترًا مربعًا تقع على طول مضيق جبلي، وهي من آخر قطع الأراضي الكبيرة المتاحة للبيع في مثل هذه المنطقة الشمالية من القطب الشمالي.
بحسب بير كيلينجستاد، المحامي الرئيسي المسؤول عن بيع العقار، فقد استعان المالكون بفريق دولي من جماعات الضغط والوكلاء لتسويق الأرض. وأضاف أن العديد من المشترين، بمن فيهم مشترون من الولايات المتحدة ودول أوروبية موقعة على المعاهدة، قد أبدوا اهتمامهم.
أصدرت شركة كينج آند سبالدينج، وهي شركة محاماة قوية في واشنطن، كتيبًا جذابًا يروج لـ"الأهمية البيئية والعلمية والاقتصادية" للأرض، بالإضافة إلى "المزايا الفريدة لموقعها للاتصالات عبر الأقمار الصناعية".
تقع سفالبارد على مقربة شديدة من القطب الشمالي (حوالي 800 كيلومتر)، ما يجعلها من بين الأماكن القليلة على وجه الأرض التي تتمتع باتصال دائم بالأقمار الصناعية التي تدور حول القطبين، وبالتالي توفر سرعات تنزيل أسرع من أي مكان آخر في العالم. وتوجد بالفعل هناك محطة سفال سات، أكبر محطة أرضية في العالم.

الوجود الروسي
يبقى الوجود الروسي في سفالبارد راسخاً، خصوصاً في مستوطنة بارنتسبورج، التي تعود جذورها إلى قرون من النشاط الروسي في المنطقة. ورغم تراجع عدد السكان، تؤكد موسكو أهمية الموقع الاستراتيجية، وترفض أي مساس بنفوذها التاريخي هناك.
الحضور الصيني
في المقابل، يثير الحضور الصيني قلقاً متزايداً. فمنذ إنشاء محطة “النهر الأصفر” البحثية عام 2004، توسع النشاط العلمي الصيني، ما دفع النرويج إلى حظر بعض الرموز وفرض قيود على الطلاب الصينيين في 2025، بدعوى مخاطر أمنية، وهي اتهامات تصفها بكين بأنها لا أساس لها.
في المحصلة، تتحول سفالبارد من رمز للتعاون الدولي في أقصى الشمال إلى ساحة تنافس حاد بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن والسيادة والموارد، في مؤشر واضح على أن القطب الشمالي لم يعد هامشياً في السياسة العالمية، بل بات في قلبها.

