رئيس جامعة الأزهر: التكفير سبب حمل السلاح.. وقتل المسلمين بعضهم باسم الدين
قال الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، إن الأزهر الشريف قام منذ تأسيسه على منهج الوسطية والاعتدال، وغرس في القلوب والعقول نبذ التعصب، ورسخ أن الإسلام يسع الجميع، وهو ما تربى عليه أبناء الأزهر منذ النشأة الأولى في التعليم الأزهري، مؤكدًا أن هذا المنهج الأصيل هو الضامن الحقيقي لصيانة الدين وحماية المجتمعات من الغلو والانقسام، وهو الامتداد الطبيعي للفهم الصحيح للإسلام القائم على الجمع لا الإقصاء، والرحمة لا الصدام.
المنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري
وأوضح رئيس جامعة الأزهر، خلال كلمته بالمنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري، اليوم الثلاثاء، أن الإمام أبا الحسن الأشعري عبر عن هذه الحقيقة تعبيرًا جامعًا حين قال إن الناس بعد نبيهم ﷺ اختلفوا في أشياء كثيرة، وضلل بعضهم بعضًا وبدع بعضهم بعضًا، فصاروا فرقًا متباينين وأحزابًا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم.
وأشتار إلى أن هذه العبارة الفذة تمثل جوهر المنهج الأشعري، وتكشف أن ما يجمع الأمة من أصول وثوابت أعظم وأبقى مما يفرقها من خلافات، وأن الإسلام هو الإطار الجامع والملاذ الحاني الذي تأوي إليه الأمة، وبه أعزها الله تعالى ورفع شأنها.
ولفت إلى أن الواقع المعاصر شهد ظهور فئات لا تقبل أحدًا، وتبادر إلى التفسيق والتكفير لكل من يخالفها، وهو ما انتهى إلى حمل السلاح وقتل المسلمين بعضهم بعضًا باسم الدين، متسائلًا عن موقف هؤلاء من قول النبي ﷺ: «مَن حمل علينا السلاح فليس منا».
وأكد أن القتل باسم الإسلام يمثل انحرافًا خطيرًا عن مقاصده وروحه، وأن هذا المنتدى الأشعري يقدّم خطابًا مغايرًا يرفع صوت العقل والحوار، ويدعو جميع الفرق الإسلامية إلى الالتقاء على كلمة سواء، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، ومبينًا أن الدعوة إلى الحوار إنما تنطلق من اليقين بأن ما يجمع الأمة أكثر مما يفرقها.
وشدد على أن الحوار هو منطق العقول الراشدة التي تسعى إلى الصواب والسداد في أجواء من الإنصاف، بعيدًا عن التشويش والضجيج الذي يعصف بالحق، مشيرًا إلى أن الله تعالى أمر بالتدبر الهادئ بعيدًا عن الحشود الصاخبة التي تخضع للأصوات العالية لا للحجج الساطعة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾، وموضحًا أن موقع الحوار من الدعوة الإسلامية كموقع الرأس من الجسد، فلا يصلح الجسد إلا به، وأن الحوار الحضاري الحق هو الذي يُتحرى فيه العدل والإنصاف، دون فرض رأي الفرد على الجماعة، لأن رأي الجماعة لا تشقى به البلاد وإن وُجد الخلاف، بينما يشقيها رأي الفرد حين ينفرد ويقصي الآخرين.
وأعرب رئيس جامعة الأزهر عن يقينه بأن الأمة الإسلامية إذا اتحدت واجتمعت كلمتها، فإن وحدتها كفيلة بأن تعيد لها الريادة والكلمة العليا واليد العليا في عالم لم يعد يحتمل مزيدًا من التفرق والاختلاف، مشيدًا بالجهود التي يبذلها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في ملف الحوار الإسلامي الإسلامي، الهادف إلى جمع كلمة الأمة ولمّ شملها وتوحيد صفها، حتى تستعيد عافيتها وعزتها وكرامتها، وتغسل عن وجهها المشرق أدران الفرقة والتشتت والضعف، وتعود أمة واحدة كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.
ووجه نداءً إلى أبناء الأمة في العالم الإسلامي بضرورة إطفاء نار الخلاف والشقاق والنزاع، والتذكير بأن السهم الذي يصيب به المسلم أخاه يرتد إلى صدره، مستشهدًا بقول الشاعر: «قومي هم قتلوا أميمة أخي * فإذا رميتُ يصيبني سهمي»، وبقول أبي عبادة البحتري: «إذا احترَبَتْ يومًا ففاضت دماؤها * تذكرتِ القربى ففاضت دموعُها»، مؤكدًا أن هذه الشواهد التي يدرسها طلاب الأزهر تهدف إلى ترسيخ وحدة الصف، واجتماع الكلمة، وكراهية الفرقة والصراع، وقبول الآخر، والعيش المشترك في أمن وسلام.
وحذر في ختام كلمته، من تأجيج نيران الخلاف، والنفخ في أبواق الإقصاء والمقاطعة، واستبعاد بعض أبناء الأمة من الحوار، مؤكدًا أن لذلك عواقب وخيمة وإثمًا كبيرًا،موجهًا الشكر إلى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، على إنشاء مركز الإمام الأشعري بوصفه مركزًا للوسطية والاعتدال، ودعامة علمية لترسيخ منهج الحوار، وتعزيز وحدة الأمة، ونشر الفهم الصحيح للإسلام.